رواد مقدسيون

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رواد مقدسيون

مُساهمة من طرف سمير ابن القدس في السبت يوليو 07, 2012 11:10 pm




رواد مقدسيون




الأديب والمفكر السياسي الموسوعي نجاتي صدقي (1905-1980م)









من رواد الفكر والأدب في فلسطين
بقلم أوس داوود يعقوب / خاص بمؤسسة القدس للثقافة والتراث

يُعدُّ المفكر السياسي اليساري الموسوعي نجاتي صدقي علماً من أعلام الثقافة في الوطن العربي، في القرن العشرين، وهو من أبرز كتاب القصة القصيرة في فلسطين، قبل العام 1948 وبعده، علماً من أعلام الثقافة الوطنية في فلسطين، في النصف الأول من القرن الماضي. والذي احتل مواقع قيادية هامة، واهتم بالروح الإنسانية والظروف الاجتماعية والتاريخية للفن والفكر والأيديولوجيا، وهذا ما ميزه عن قيادته الحزبية مما أدى إلى تجميده وفصله.
وقد أتقن صدقي اللغات الروسية والفرنسية والإنجليزية، واطلع على الثقافة العالمية، وعمل على تعريب الحزب الشيوعي الفلسطيني، تحت شعار وحدة الأمة العربية. وكان أن أصدر في العاصمة الفرنسية عام صحيفة شهرية، تدعو لمقاومة الاستعمار ومناصرة حركات التحرر والاستقلال. وقد كتب عنه أحد الكتاب الإنجليز: «بموت نجاتي، هل انقضى عهد الفرسان الذين ينذرون أنفسهم لقضية تحفز التاريخ نحو العدالة...؟‏ ».
وقد «كان واحدًا من الفلسطينيين الذين وجهوا اهتمامهم للقومية العربية في الظروف التي وجدت بعد عام 1929م، فقد عرض ملخصًا للمراحل التي مرت بها القومية العربية منذ ثورة تركيا الفتاة في سنة 1908م، حتى نورة 1939م» .

الميلاد والنشأة:

ولد الأديب والمناضل محمد نجاتي بن بكر صدقي، رائد القصة الحديثة في فلسطين، في مدينة القدس في 15 أيار (مايو) 1905م، وكان جده لأبيه أحد قادة السلطان عبد الحميد الثاني (1874 ـ 1908م) برتبة (ألاي أميني) جاء إلى دمشق وبيروت في أعقاب القرن التاسع عشر ثم انتقل إلى القدس واقترن بآنسة عربية هي «عريفة النجار».
أما والده فهو بكر صدقي المولود في بيت المقدس، ومدرس اللغة التركية في المدرسة «المأمونية»، وكان هاوياً للفنون الجميلة كالموسيقى والرسم والتصوير، وأول من أدخل الحاكي (الفونغراف) إلى مسقط رأسه، إذ كان يضعه على شرفة بيته المطل على «باب الساهرة» والناس جالسون على الصخور في ضوء القمر، يرهفون الأسماع إلى الصوت الرخيم المنبعث من اسطوانة عجيبة ومن بوق أعجب. أما والدته فهي السيدة المقدسية (نظيرة مراد).
تلقى (نجاتي) علومه الابتدائية في المدرسة «الصالحية»، التي أسسها الشيخ محمد الصالح ببيت المقدس، ثم في مدارس «المأمونية» و«الرشيدية» و«المكتب السلطاني» في القدس.
بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها عام 1919م، صحب والده، وهو في الرابعة عشرة من عمره، إلى مدينة الطائف في السعودية حيث كان والده برتبة زعيم في جيش الأمير فيصل بين الحسين ـ في الفرقة الذاهبة لمحاربة الوهابيين. وأقام في الحجاز بجدة ومكة والمدينة والطائف.
بعد الحملة عاد مع والده إلى سورية، ثم انتقل معه إلى القاهرة. ويذكر نجاتي كيف اصطحبه والده هناك إلى مسرح «الريحاني» ومسرح «السندكيس».
عاد مع والده إلى فلسطين وبدأ يعمل موظفاً في دائرة البرق والبريد في القدس حتى أواخر سنة 1924م.
وفي أثناء عمله ذاك تعرّف إلى الحركة الشيوعية وانتسب إليها.
كان (نجاتي) من أوائل الطلبة العرب المبعوثين للدراسة في الاتِّحاد السوفييتي، من قبل أحزاب شيوعيَّة ناشئة، حيث تم إيفاده عام 1925م إلى موسكو ليدرس في جامعة (كوتف) التي أنشئت سنة 1921م ليدرس فيها الطلاب من الجمهوريات السوفياتية الشرقية، وكذلك الطلاب الشرقيون من الشعوب الخاضعة للاستعمار.
وقد ظلَّ هناك حتَّى عام 1929م، حيث أنهى دراسته حاملاً الإجازة في السياسة والاقتصاد السياسي، وقدم أطروحة عن: «الحركة الوطنية العربية من الانقلاب الاتحادي حتى عهد الكتلة الوطنية». كما درس الآداب الروسية اجتهاداً إضافياً.
وفي تلك الفترة حمل اسم (مصطفى سعدو)، واختصارًا (سعدي)، وهناك تعمّقت علاقته بالشاعر التركي ناظم حكمت، وخاض نقاشات عميقة مبكّرة حول حركة التحرر القوميّة العربية.
ساهم بعد عودته إلى فلسطين عام 1929م في العمل الوطني السري للحزب الشيوعي، وتتحدث مذكراته عن هذه المرحلة ومشكلاتها، وعن ظروف العمل السياسي السري ـ بالتفصيل، وتغطي الفترة ما بين عامي (1924-1939م).
سنة 1931م تقرر إيفاده مع عضو يهودي في الحزب لحضور مؤتمر اتحاد النقابات الدولية (البوفنترن) في موسكو. وبعد عودته إلى البلد تمكنت الاستخبارات البريطانية ـ بكمين مدبر ـ من أن تعتقله مع رفيقه محمود الأطرش ـ المغربي ـ فكانا في القدس ويافا ثم صدر الحكم بسجنهما عامين، قضى (نجاتي) شطرًا منها في السجن المركزي بالقدس حيث اشترك وشجع على عصيان مدني ضد الإدارة البريطانية فنقل على الأثر إلى سجن قلعة عكا حيث بقيَّ حتى نهاية سنة 1932م .
ونلمس عمق إنسانية (نجاتي) في وصفه للسجناء البسطاء الذين تعرّف بهم في معتقلات الانكليز، ومنهم (أبو جلدة) و(العرميطي)، وهما بطلان شعبيان اشتهرا إبّان الثورة الفلسطينية الكبرى...
عشية أول أيار (مايو) 1933م اعتقل إدارياً لمدة أسبوع، ثم فرضت عليه الإقامة الجبرية وإثبات الوجود ثلاث مرات في اليوم لمدة سنة.
بعد ذلك نقلته اللجنة المركزية للحزب إلى حيفا، ثم جاءت تعليمات من (الكومنترن) بأن يسافر إلى باريس.
في أيلول (سبتمبر) 1933م أصدر صحيفة شهرية ناطقة بالعربيَّة، اسماها «الشرق العربي»، لتعبِّر عن وجهة نظر «الكومنترن»، وكتب فيها باسم مستعار هو (مصطفى العمري) وكانت توزع سراً في البلاد العربية، إلى أن أمر رئيس الحكومة الفرنسية وقتئذ السيد (بيير لافال)- الذي أعدم بعد الحرب العالمية الثانية لتعاونه مع النازيين- بإغلاقها. وكانت الصحيفة تصدر كل شهر، وقد أصدر (نجاتي) منها (36) عدداً واشتهرت هذه الصحيفة بمناصرة الحركات الاستقلالية في المغرب العربي وفي أقطار العربي.
وفي باريس التقى (نجاتي) بالمرحومين رياض الصلح وعبد الحميد كرامي وقد جاءا لمفاوضة فرنسا، كما التقى بالزعيم التونسي الحبيب بورقيبة يوم كان لاجئاً سياسياً، ينزل ضيفا على جمعية المساعدة الحمراء اليسارية ( سيكو– روج)، كما تعرف في العاصمة الفرنسية إلى السيدة (ليوفانر) وهي عضو بارز في (عصبة مقاومة الاستعمار).
بعد قيام الحكومة الفرنسيَّة بإغلاق الصحيفة استدعي (نجاتي) إلى موسكو، فوصل إليها في صيف سنة 1936م، وهناك قابل السيد خالد بكداش في مقر(الكومنترن) .
سافر إلى (طشقند)، عاصمة اوزبكستان، ليطلع على التجربة السوفياتية في حل «المشكلة القومية» هناك. حيث أراد له المسؤولون في (الكومنترن) أن «يطّلع على الطريقة التي اتبعها الاتحاد السوفياتي في حل المسألة الوطنية». وقد كان خالد بكداش حاضرًا فطلب أن يرافق (نجاتي) في تلك المرحلة. وقد وصفت المذكرات هذه الزيارة التي دامت عشرة أيام وصفًا مثيرًا.
وبعد عودته من هناك اقترح عليه المسؤولون في«الكومنترن» السفر إلى إسبانيا ـ أثناء الحرب الأهليَّة المشتعلة بين الفاشيّين بقيادة الجنرال (فرنكو) وبين الجمهوريّين ـ للمساعدة في الدعاية في الأوساط الغربية.
في 10 آب (أغسطس) 1936م وصل إلى باريس، ثم تابع طريقه إلى إسبانيا، وأقام في برشلونة ثم أنتقل إلى مدريد، وهناك رتب له (الحزب الشيوعي الإسباني) مقراً يحرر فيه المقالات والنشرات ـ بالعربية ـ للجنود المغاربة.
وقد تجاوز نشاطه الكتابة فوصل إلى ساحة القتال في الخطوط الأمامية بالقرب من قرطبة، وخاطب ـ بمكبرات الصوت ـ الأسرى من المغاربة المحاربين مع (فرنكو) ـ من أتباع الزعيم المغربي عبد الخالق الطريسي، وساعدهم في محنتهم بوصفهم (ضحايا أبرياء)، وكتب التقارير من الجبهة.
وفي إسبانيا حل ضيفاً على رئيس الجمهورية آنذاك. وقابل الزعيمة الاسبانية الشهيرة (دو لوريس ايباروري) المعروفة باسم (الياسيو ناريا) «أي الصورة».
كما أسهم مع فريق من الأسبان في تأسيس «الجمعية الاسبانية المغربية» في مدريد.
ومن اسبانيا، توجّه بمهمة جديدة إلى الجزائر، حيث كُلف في أواخر كانون الأول (يناير) 1936م بإنشاء محطة إذاعة سرية تبث باللغة العربية إلى أفريقيا الشمالية عامة، والمغرب خاصة. ولكن بعد وصوله إلى الجزائر تبيّن أن أسباباً فنية قاهرة تحول دون تحقيق المشروع.
فعاد (نجاتي) إلى باريس، وهناك تأزمت علاقاته بالحزب الشيوعي الفرنسي.
وفي نيسان (أبريل) 1937م ورد توجيه من «الكومنترن» بترتيب أمر سفره إلى لبنان.
ومع وصوله إلى دمشق أسندت إليه «منظمة دمشق الحزبية»، وهناك بدأ ينشر في الصحف مسلسلاً بعنوان «عربي حارب في إسبانيا» من دون ذكر اسمه الصريح، لكن الكتاب الذي جمع تلك المادة نشر باسم خالد بكداش.
وإثر تأزم العلاقات السورية_الفرنسية، قررت اللجنة المركزية للحزب نقل النشاط إلى بيروت، فانتقل (نجاتي) إلى هناك.
إلا أنه سرعان ما اتخذت قيادة الحزب قرارها بتجميد نشاط (نجاتي) الحزبي، فانقطع عن العمل في صحيفة «صوت الشعب»، وبدأ يبحث عن مصادر للعمل والرزق في جريدة «النهار» ومجلة «الجمهور». وبعد نشوب الحرب العالمية الثانية انضم إلى أسرة مجلة «المراحل المصوّرة».
لكنَّ علاقته بالحركة الشيوعيَّة انقطعت بعد اتِّفاقيَّة «عدم الاعتداء» بين (هتلر) و(ستالين) في 21 آب (أغسطس) 1939م، وفي ذلك كان الانفصام التام بين (نجاتي صدقي) والحزب الشيوعي، حيث فصل من الحزب سنة 1939م ونشر «القرار في صحيفة حزبية سرية مطبوعة على الجلاتين».
في عام 1940م عاد إلى القدس، وبدأ العمل مراقباً للبرامج في محطة «إذاعة الشرق الأدنى» في يافا والقدس ما بين عامي (1940-1948م)، وفي هذه الفترة بذل جهودًا كبيرة للإنتاج الأدبي، فكتب القصة والمقالة والدراسات الأدبية.
إثر النكبة عام 1948م انتقلت «إذاعة الشرق الأدنى» إلى قبرص، فانتقل معها وعاش في مدينة (ليماسول) حتى عام 1950م. ثم انتقل إلى بيروت، وعمل في الصحافة والأدب وكتابة النصوص الإذاعية وتفرغ للكتابة والترجمة حتى سنة 1976م، فانتقل إلى أثينا حيث أقام عند ابنته. وهناك توفى في 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 1979م.







مذكراته:

نشرت مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت «مذكرات نجاتي صدقي»،
في أيلول (سبتمبر) 2001م ، التي أعدَّها وقدَّمها الشاعر والأديب والباحث الفلسطيني حنّا أبو حنّا. الذي يذكر بأنه حصل في البداية على نسخة منها من صديقه الدكتور هاشم ياغي، وهي مطبوعة بالآلة الكاتبة على (الستانسل)، ثم حصل على نسخة أصلية واضحة من هند كريمة نجاتي صدقي، التي أبلغته أن والدها كتب مذكراته في مرحلتين: القسم الأول كتبه في سنة 1958م تقريباً، بينما كتب القسم الثاني خلال عامي (1974 ـ 1975م)، وأنه كتبها بعد إلحاح شديد من العائلة، ولولا ذلك لما فعل. وقد تضمن الكتاب المنشور عشرة فصول وملحقاً وفهرس أعلام، تغطي الفترة الواقعة بين عامَي (1924 و 1939م)، أي منذ انضمام نجاتي صدقي إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني وحتى فصله من الحزب الشيوعي السوري ـ اللبناني» .
ولعل ما يميز هذه المذكرات أنها كتبت بعد خروجه من صفوف الحركة الشيوعية، وأنها نشرت بعد وفاته.
وفي محاضرة له بعنوان: «المذكرات كمصدر لدراسة تاريخ الحركة الشيوعية في فلسطين» ، يبحث د. ماهر الشريف عن المكانة التي تحتلها المذكرات بين مصادر تاريخ الحركة الشيوعية في فلسطين؟ وما مدى صدقيتها بالمقارنة مع وثائق الأرشيف السري لـ(الكومنترن) الخاص بفلسطين؟ وما مدى الأهمية الفعلية للمذكرات كمصدر من مصادر الكتابة التاريخية في حالتنا الملموسة؟
وقد أجتهد د. الشريف في الإجابة عن هذا الأسئلة من خلال الرجوع إلى مذكرات قائدين بارزين من قادة الحركة الشيوعية في فلسطين، هما نجاتي صدقي ومحمود الأطرش أو (المغربي)، ووضعها في مقابلة وثائق الأرشيف لـ(الكومنترن) الخاص بفلسطين.
يقول د. ماهر: إن الافتراض الذي أنطلق منه هو أن المذكرات، مثلها مثل مصادر الكتابة التاريخية الأخرى، تنطوي على نقاط قوة ونقاط ضعف في آن معاً، وهي بالتالي ليست أقل صدقية من غيرها من المصادر.
ويذكر الأستاذ حنّا أبو حنّا في تقديمه لـ «مذكرات نجاتي صدقي» أن فيها «عنصر السيرة الحافلة بالمغامرات، كما أنها تشكل مرجعًا تاريخيًا ذا شأن لفترة سياسية مهمة لم تسلط عليها الأضواء من الزاوية الذاتية التي تؤثث المشهد بحيوية الآنية ومصدرية الشهادة» .
يضيف الأستاذ أبو حنّا: «شاب مقدسي على عتبة العشرين، موظف في دائرة البريد والبرق، تنفتح أمامه آفاق فكرية تهب بها رياح من بعيد تتحدث عن عِلْم للتحرر والعدالة الاجتماعية وأفق حافل بالأمل. وباعتناق تلك الرؤية تنطلق مغامرة الثوري الذي يضحي بالكثير ليحقق الأهداف عبر تنظيم سري يؤمن بأهمية تأسيسه، ثم حوار في مواقف من قضايا لا مثيل لها في التاريخ الحديث ـ هجرة تسعى لإنشاء وطن حيث أهل هذا الوطن هدف للتغييب والاقتلاع..
ونعيش مع المذكرات تجربة الانفتاح على المبادئ الجديدة، والتنظيم السري. ونلاحظ كيف أن الأفكار لم تنبع من باطن هذه الأرض، وأن مروّجيها مهاجرون لايستنكرون هجرتهم وإنما يحاولون أن يجدوا صيغًا تجمع بين النَفَس «الثوري» والواقع الحرون» .
يتابع الأستاذ أبو حنّا: «تنقلنا المذكرات إلى أجواء المرحلة وتفصيلاتها. وعلاوة على ما تقدمه لقارئ السيرة الطُلَعة، فإنها تقدم للدارس والباحث مادة مهمة تعّرف بتلك الجامعة الشيوعية التي أنشئت للطلاب في جمهوريات الاتحاد السوفيتي الشرقية و«الطلاب الشرقيين من الشعوب المتعاملة مع العالم الرأسمالي من أهالي الصين، واليابان، وأندونيسيا، والهند، والهند الصينية، وتركيا، وإيران، وأفغانستان، والبلاد العربية»، وتفصّل منهاج الدراسة مع ملاحظات عن كل موضوع، وهو نا لن يتح في أي سيرة سابقة منشورة بالعربية» .
ويركز (نجاتي) في الفصل الرابع من المذكرات على سرد تفاصيل العمل السياسي والحزبي آنذاك، ويحدد خمس قضايا جابهت الحزب في السنوات (1929م ـ 1931م) وهي: التعريب، وثورة 1929م؛ والهجرة اليهودية؛ والمسألة الزراعية (الأراضي)؛ والموقف من الحركة الوطنية العربية.











صفحات من المذكرات:

خصص الأستاذ (نجاتي صدقي) الفصل العاشر من مذكراته «ختام المطاف»، للحديث عن فترة عمله في دمشق ومن ثم في بيروت، وعن تجربته الصحفية في صحيفة «صوت الشعب»، ومجلة «الطليعة»، وصحيفة «النهار»، ومجلة «الجمهور»، ومجلة «المراحل المصورة»، التابعة لجريدة «الأوريان» الفرنسية، وقد جاء فيها:
العمل في دمشق: أول ما فعله خالد حين حللت في دمشق أن توجه بي إلى السراي لمقابلة شكري القوتلي، بوصفه زعيم الكتلة الوطنية ووزير المالية، فقدمني قائلاً: أرجو أن أقدم إلى معاليكم رفيقنا نجاتي صدقي، أو الرفيق سعدي؛ فهو كاتب وصحافي، كان مؤخرًا في مدريد في خضم الحرب الأهلية الإسبانية وها هو اليوم يقيم في دمشق ليتعاون معنا لما فيه خير الوطن.
فأجابه القوتلي: أهلاً به وسهلاً، ونأمل أن نستفيد من خبرته وعليك يا خالد أن تعنى به..
وفي اليوم ذاته توجه بي خالد إلى وزير الاقتصاد فايز الخوري، وقدمني له قائلاً: أقدم لكم يا معالي الوزير رفيقنا نجاتي صدقي، خريج جامعة موسكو، تولى تحرير جريدة «الشرق العربي» التي كانت تصدر في باريس، وهو عائد الآن من إسبانيا الحرب الأهلية، ويضع نفسه في تصرف الحركة الوطنية السورية.
فسدد فايز الخوري نظره إليّ وأمارات التعجب مرتسمة على وجهه، ثم خاطب خالد قائلاً: «على الرحب والسعة برفيقك.. ولو أنه كثير علينا.. إحنا جماعة بنشتغل عالبسيط.. وين إحنا ووين الحرب الأهلية في إسبانيا!»..
ثم قمنا بزيارة إلى لطفي الحفار صاحب جريدة «الإنشاء» لسان حال الكتلة الوطنية، ورئيس تحريرها رشيد الملوحي.. وتلا ذلك تعارف مع معظم العاملين في الحقول السياسية، والأدبية، والصحافية في دمشق.. كنا نزورهم في مكاتبهم، أو نلتقي بهم في مقاهي دمشق، ونتبادل الآراء معهم في المعاهدة السورية ـ الفرنسية ومدى فعاليتها، وحكومة الجبهة الشعبية في فرنسا وأثرها في الشرق العربي، والمعارك ضد البريطانيين والصهيونيين في فلسطين، والغزو الفاشتسي الإيطالي في الحبشة، والنازية الألمانية واحتمالات وقوع حرب عالمية ثانية يؤجج نارها هتلر وموسليني، وصراع ستالين ضد المعارضين في الاتحاد السوفياتي، وكانت وجهات النظر متضاربة في مواضيع الساعة السياسية هذه.. غير أن الكل مجمع على مبدأ الاستقلال والتحرر من السيطرة الفرنسية بأية وسيلة ممكنة، بل إن هناك من كان يتمنى الخلاص عبر حرب عالمية ثانية، وغزو نازي فاشستي للمنطقة العربية..
فالنادي العربي في دمشق، ومعظم أعضائه تثقفوا في ألمانيا، كان يبدي تحمساً ملحوظاً للنازية الألمانية، والحزب القومي السوري كان يرى في التحالف مع إيطاليا موسليني السبيل الوحيد للحرية والاستقلال.
وكانت هناك تيارات أُخرى تقول بالوحدة العربية، والوحدة الإسلامية، والاشتراكية العربية، والشيوعية العربية، يعبِّر أتباعها عن مبادئهم وعواطفهم بحركتين من اليد، مقلدين لتيارين عالميين. فاليمين الأقصى يبسط الأذرع ويرفعها إلى العلا بتوتر وإصرار محييًا على الطريقة الرومانية، ومنهم من يرتدون «القمصان الحديدية» ـ قمصان مصنوعة من قماش محلي الصنع لونه رصاصي، ويستعمل في صنع القنابيز الشعبية ـ.. واليسار يؤثر ضم قبضات الأيدي بشدة ورفعها إلى العلا، إشارة إلى الاتحاد والمطارق الضاربة!
وبعد انقضاء أسبوع على إقامتي في دمشق أفادني خالد بكداش أن اللجنة المركزية للحزب قررت إسناد منظمة دمشق الحزبية إليّ، وبإشراف خالد بالذات، باعتبار دمشق قاعدته الأساسية، فهي مسقط رأسه، وفيها نشأ وترعرع.
وانحصرت أعمالي الحزبية في دمشق في الناحيتين التثقيفية والأدبية. أمّا الأعمال التنظيمية والمسؤولية فكان يتمسك بها خالداً كلياً، باعتبار أن زعامة الحزب السياسية فيها تعود إليه فقط، فهو شديد الحساسية في أمر الانفراد بالزعامة، على الطريقة الستالينية، التي تتلاءم مع عقلية حب السيطرة والزعامة في بلاد الشرق.. وقد أدخل خالد بكداش «تعديلات شرقية» في بعض المفاهيم الحزبية منها:
استبدل عبارة «أمين عام الحزب» بـ «رئيس الحزب»، لأن هذه التسمية مفهومة أكثر في الأوساط الشعبية، ولها أثر عميق في النفوس.
كانت علاقة خالد بي تتأرجح بين الثقة والغيرة. فالثقة قائمة على رصيدي العلمي والعملي الكبيرين، والغيرة غريزة لا تتحكم فيها إلاَّ الثقافة بأشمل معانيها.
فكان مثلاً إذا «نرفز» في اجتماع، وكنت أنا في غرفة ثانية، صاح بأعلى صوته غاضباً: «أين أنت يا سعدي.. يا رفيق سعدي تعال حالاً!»..
فيدرك الرفاق أنه هو الرئيس الأعلى، وما أنا إلاّ مساعد بسيط له.
وعن عمله في صحيفة «صوت الشعب» كتب ما يلي: صدر العدد الأول من صحيفة «صوت الشعب»، لسان حال الحزب، في دمشق بتاريخ 15أيار/مايو سنة 1937م، وقد نشرت في طليعة أعدادها مقالاً عن الحرب الأهلية في إسبانيا، وزينته بصورة كبيرة أحضرتها معي من إسبانيا، تمثل جنديًا مغربيًا ضخمًا ومديدًا، يعانق جنديًا إسبانيًا نحيلاً، دليلاً على التآخي والتصافي بين الشعبين.
وما إن وصل هذا العدد من الصحيفة إلى رفيق رضا، مندوب الحزب في باريس، حتى عرضه على قادة الحزب الفرنسي، فأبدوا استياءهم الشديد من الصورة، وبعثوا بكتاب احتجاج إلى خالد بكداش يقولون فيه: «هذه صورة مغايرة لواقع الحرب الإسبانية، فالحقيقة تقضي بأن يكون الرجل العملاق هو الجندي الإسباني، وأن يكون الرجل النحيل هو الجندي المغربي»!..
فأي اعتراض هذا؟.. لقد جئت بتلك الصورة من مصادر الدعاية الإسبانية، ولم أكن مخرجًا مصورًا لها.. ثم إن القضية ليست في ضخامة هذا الجندي أو ذاك، وإنما في المغزى الإنساني الذي تعبّر عنه تلك الصورة بحد ذاتها.
وتوقفت عن نشر المقالات عن إسبانيا في «صوت الشعب»، كي لا أثير حساسيات الفرنسيين والإسبان، وآثرت إخراجها كلها في كتاب واحد. وحدث بعدئذ أن اعتزمت مجلة «الطليعة» نشر مخطوطة «ثورة وفتنة في لبنان» ليوسف يزبك، غير أن المرض أقعد الكاتب اللبناني عن دفع تلك المخطوطة للنشر، فطلب مني رئيس تحرير المجلة، رجا حوراني، أن أشرع في نشر فصول كتابي عن إسبانيا في المجلة عوضاً عن مخطوطة يزبك، ففعلت ونشر القسم الأول منها في عدد حزيران/ يونيو سنة 1938م.
وبعد أيام من صدور هذا البحث قال لي خالد بكداش: «أليس من الأفضل أن تقدم لي ما تود نشره عن إسبانيا الحرب الأهلية وأنا أصدره باسمي في كتاب»!؟..
قلت: ولكنني أنشر البحث في «الطليعة» تباعاً..
قال: إنك تنشر مقالاتك هذه وأنت مضطر إلى إخفاء اسمك، وهذا ما يفقدها «الميزة الذاتية»، وأمّا أنا فإنني أنشر الكتاب باسمي الصريح على لسان شخص غائب، فتكون المعلومات التي أسردها ذات طابع شخصي بليغ الأثر.
وزودته بقدر يسير من المعلومات ـ وهي غير ما نشر في هذا الكتاب ـ وصدر كتاب خالد بعنوان: «عربي حارب في إسبانيا». فظن بعض القراء أن خالد هو ذلك العربي، وقد استعمل صيغة الغائب تواضعاً ثورياً منه.
واستمرت صحيفة «صوت الشعب» في الصدور، وقد استفاد منها خالد في الدعاية لشخصه، وهو عمل تحظره بالأحزاب الشيوعية في العالم. غير أن ما أثار النقد الشديد ضده، هو إقدامه على إصدار عدد خاص من الصحيفة، لمناسبة وفاة والده، بداعي أنه «أحد قادة ثوار غوطة دمشق في محاربة الاستعمار الفرنسي سنة 1925».
وقال المعترضون وقتئذ: «جدير بخالد أن يصدر عدداً خاصاً من صحيفة الحزب عن الثورة السورية، وأن يأتي على ذكر والده بين المقاتلين فيها، أمّا أن يخص والده بعدد خاص من صحيفة الحزب، وأن يخلع على الصحيفة طابعًا عائليًا، فهو أمر يتنافى مع العقيدة الحزبية تمامًا.. وإذا أراد أن يختار شخصًا معينًا من رجال الثورة السورية، فحري به أن يختار سلطان باشا الأطرش، بوصفه قائد هذه الثورة، ورمزها».
وعن تجربته الصحفية في مجلة «الطليعة»، يكتب (نجاتي)، مايلي: كان الحزب قد أصدر سنة 1935م مجلة أدبية سياسية في بيروت، أطلق عليها اسم «الطليعة»، يترأس تحريرها عمر فاخوري، ويوسف يزبك، وقدري قلعجي.
وفي سنة 1937م، وبعد الانفتاح على الحركة الوطنية السورية، نقل الحزب مقر مجلة «الطليعة» إلى دمشق، وأسند رئاسة تحريرها إلى رجا حوراني.. والواقع أن هذه المجلة، مع كونها حزبية المنتمى، فهي عربية المشاعر، ووطنية المنهج، وتقدمية الأهداف. وقد أدت خدمات جلى للفكر العربي، وللحركة الأدبية العربية في الثلاثينات.. فمواضيعها رصينة وقوية، وكتّابها نخبة من البلاد العربية قاطبة، وتعتبر مرجعًا هامًا لمتتبعي النشاط الفكري والأدبي في فترة النضال ضد الاستعمارين الفرنسي والإنكليزي والصهيونية، التي سبقت الحرب العالمية الثانية.
ولقد نشرت فيها سلسلة من الأبحاث، منها أطروحتي الجامعية «آراء مادية في الحركة الوطنية العربية، من الانقلاب الاتحادي إلى عهد الكتلة الوطنية»، في الأعداد من تشرين الثاني/نوفمبر سنة 1937م، حتى نيسان/أبريل سنة 1938م.
وقدم لها رجا حوراني بكلمة قال فيها: «في هذا المقال وفيما يليه من الأعداد المقبلة، يحاول الأستاذ نجاتي صدقي درس وعرض التطورات التاريخية للحركة الوطنية العربية، من وجهتها المادية.. ولعله في دراسته هذه يلقي نوراً جديداً على الحركة التي ـ على ما نعرف ـ لم يتعرض كاتب لدرسها من هذه الناحية بعد».
«ومما لا شك فيه أن درس التاريخ مادياً هو أبلغ وأصدق درس لتاريخ أي بلاد أو حركة ذات شأن. و«الطليعة» تشكر للأستاذ صدقي جهوده، ونرجو أن يجد القراء الفائدة المتوخاة من هذه الدروس».
أما المواضيع الأُخرى التي نشرتها في «الطليعة» فهي:
1 ـ «الإيقاع الموسيقي التاسع لبتهوفن مع ترجمة نشيد شللر».
2 ـ «ابن خلدون ضد المثالية».
3 ـ «عبد الرحمن بن خلدون والتفسير المادي للتاريخ».
4 ـ «شارل روبرت داروين ـ حياته، نظرياته، وآراء خصومه».
5 ـ «رينه ديكارت والمادية الميكانيكية».
6 ـ «خمسة أشهر في إسبانيا الجمهورية» ـ فصل واحد فقط.
7 ـ «اضطهاد العلم والعلماء إبان انحلال الدولة العربية العباسية».
وكان لهذا الموضوع الأخير تتمة، إلاّ إن خالد بكداش طلب من رجا حوراني عدم نشرها، لأن الموضوع يثير «حساسيات تاريخية»، مع أن البحث علمي وتاريخي بحت، وقد اضطررت إلى نشر تتمة هذا البحث في صحيفة «المكشوف» الأسبوعية الصادرة في بيروت، سنة 1938م.
والواقع أن إيعاز خالد بالكف عن نشر هذا البحث في «الطليعة» كان بداية لنهاية حياة المجلة، إذ تراءى لخالد أن هذه المجلة قد أفلتت من يده، ولا سلطان له عليها، وباتت مجلة «عربية تحررية»، في حين أنه يريدها أن تكون «حزبية متزمتة»، تدور في فلك الجبهة الشعبية الفرنسية، وتنغمس في المناظرات الستالينية ضد الانحرافات اليمينية واليسارية.. ثم قضى بتوقيفها عن الصدور، إلى أن استبدلها فيما بعد بمجلة «الطريق»، وقد أسند رئاسة تحريرها إلى المهندس أنطول تابت( ).
وكانت النتيجة اختفاء أسماء كتّاب عرب تحررين غير حزبيين، وبروز أسماء كتّاب يعالجون مواضيع عسيرة الهضم بالنسبة للقارئ العربي.
وعن فترة العمل في بيروت، كتب (نجاتي): قررت اللجنة المركزية الدائمة للحزب، المؤلفة من خالد بكداش وفرج الله الحلو ونقولا الشاوي، نقل ثقل النشاط الحزبي إلى بيروت، لكونها أكثر ملاءمة للعمل السياسي، بعد اندلاع الاضطرابات في سورية، الناجمة عن الموقف الفرنسي المتعنت والمتردد بصدد التصديق على المعاهدة، واتخذت مقراً لها ولإدارة صحيفة «صوت الشعب» في بناية تقع أمام «التياترو الكبير»، في مطلع شارع المعرض، وهي اليوم «الفندق الكبير».
وفيما يتعلق بي فقد استأجرت غرفة عند رفيق أرمني حلاق، في أحد منعطفات شارع المعرض، وبت أواظب على الحضور إلى مكتب الحزب في الصباح، وبعد الظهر، وأسهم في تحرير زاوية يومية انتقادية في «صوت الشعب»، وأشترك في بعض أعمال اللجنة المركزية للحزب.. وفي هذه الفترة تعرفت إلى رئيف خوري، بعد عودته من فلسطين حيث كان يدّرس الأدب العربي في مدرسة صهيون في القدس، وإلى عمر فاخوري مدير الدوائر العقارية في بيروت، وقدري قلعجي، ويوسف يزبك، وغيرهم من الكتّاب «أنصار الحزب». وغالبًا ما كنا نجتمع أيضًا في مكاتب صحيفة «المكشوف» الأسبوعية لصاحبها الشيخ فؤاد حبيش، والتي تقع في الطابق الأول من البناية ذاتها التي تقوم فيها مكاتب الحزب، وإدارة صحيفة «صوت الشعب».
وفي أول أيار/ مايو سنة 1938م، عقدت اللجنة المركزية اجتماعًا في بيروت قررت فيه توجيه برقية شكر وامتنان إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الفرنسي تتضمن تحية حارة لمناسبة عيد العمال، وشكرًا وامتنانًا لما يبذله الحزب من مجهود محمود من أجل التصديق على المعاهدتين السورية واللبنانية، وعبارات أُخرى عن التلاحم الأخوي بين الحزبين.. وقد حملت البرقية تواقيع خالد بكداش، وفرج الله الحلو، ونقولا الشاوي، وسعدي، أي توقيعي أيضاً.
وما إن تلقى الرفاق في باريس هذه البرقية ووقع نظرهم على اسمي حتى قامت قيامتهم، فأسرعوا وأرسلوا كتابًا إلى الرفاق في بيروت، يعلنون فيه سخطهم على تعاون الحزب معي، ويطلبون منهم أن يعملوا على «تجميدي»، أي لا طرد ولا تعاون.
والذي حدث أن انصاع بكداش وزملاؤه لهذه الوصاية الشيوعية الفرنسية، وراحوا يناصبونني العداء. وكان عليّ أن أتحمل عبء المتاعب المالية، بعد انقطاعي عن العمل في «صوت الشعب»، وأن أسعى إلى تدبير معاشي، وكسب قوتي عن طريق العمل الحر في الصحافة اللبنانية، دون أن أصطدم بـ «الرفاق».
والتقيت ذات يوم بالكاتب والروائي توفيق يوسف عواد، وكان يومئذ يترأس تحرير صحيفة «النهار». التقيت به في ساحة السمك «وهي اليوم ساحة رياض الصلح»، فراح يثني على بحثي الطويل في الحركة الوطنية العربية، وقال لي: «لقد وضحت في بحثك هذا الأسباب الحقيقية للقضية العربية، وكشفت الغطاء عن العوامل المادية لهذه القضية، وفسرت جوانب كانت غامضة ومبهمة.. ثم قال: وما الذي تفعله اليوم..
قلت: أبحث عن عمل في حقل الصحافة..
قال: إنك محلل مادي، فلماذا لا تستلم الصفحة الاقتصادية في جريدة «النهار»؟..
وهكذا كان.. انضممت إلى أُسرة «النهار» لصاحبها جبران تويني، وقت أن كانت مكاتبها فوق «مطعم العجمي»، عند مدخل سوق فخري بك. وكانت هذه الأُسرة مؤلفة من الزملاء توفيق يوسف عواد رئيس التحرير، ولويس الحاج سكرتير التحرير، وكامل مروّة محرر السياسة الخارجية، وحنا غصن محرر السياسة الداخلية، وأنا محرر الصفحة الاقتصادية الأسبوعية، ثم أضفت إلى عملي هذا الإشراف على تحرير مجلة «الجمهور»، وقت أن كانت في بناية فندق «سافوي» في ساحة البرج، لصاحبها ميشال أبي شهلا.
وبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية انضممت إلى أُسرة مجلة «المراحل المصورة»، التابعة لجريدة «الأوريان» الفرنسية لصاحبها غبرييل خباز. وكانت هذه المجلة الأولى من نوعها في التحرر والإخراج، وقد تألفت أُسرتها من الزملاء الذين ظهرت صورهم في صدر العدد الأول الصادر بتاريخ 22 كانون الثاني/يناير سنة 1940م، وهم: يوسف يزبك؛ الدكتور نقولا فياض؛ عبد الله صالح؛ عمر فاخوري؛ ميشال طراد؛ قدري قلعجي؛ فؤاد حداد؛ نجاتي صدقي؛ فاضل سعيد عقل؛ محمد النقاش؛ روبير أبيلا.
وكان عليّ في هذه المرحلة أن أحدد موقفي السياسي من الأحداث الجارية، دون التقيد برأي أحد غيري. وتبين لي أن اتفاقية عدم الاعتداء المعقودة بين هتلر وستالين في 21 آب/أغسطس 1939م هي اتفاقية زائفة، والقصد منها كسب الوقت، فهاجمتها بينما الرفاق رحبوا بها واعتبروها خطوة حاسمة في التقارب بين الشيوعية الدولية والاشتراكية الوطنية الألمانية.
ثم رحت أنشر في مجلة «المراحل المصورة» مقالات في موضوع الإسلام والنازية، بقصد تأليب العالم الإسلامي على النازية والفاشستية، وجمعتها فيما بعد في كتاب بعنوان: «النازية والتقاليد الإسلامية»، دار الكشاف، بيروت سنة 1940م.
وما إن انتهيت من نشر هذه المقالات حتى اتصل بي عزمي النشاشيبي، الملحق الصحافي في السفارة البريطانية في بيروت، وقال لي: إن بحثك هذا يخدم قضية الحلفاء، ويسهم في دفع الأخطار النازية عن البلاد العربية، إضافة إلى دفاعه عن الحرية الديمقراطية، فما رأيك في ترجمته إلى الإنكليزية، وإصداره في كتاب؟..
قلت: ليس لديّ أي مانع في ذلك، ولكن من سيتولى ترجمته؟..
قال: أعتقد أن أفضل من يترجمه إلى الإنكليزية هو أمين الريحاني..
قلت: لا ريب بأن قبول أمين الريحاني ترجمة الكتاب يضفي عليه أهمية خاصة، غير أن تكليف الكاتب اللبناني الكبير ترجمة الكتاب يتطلب نفقات غير قليلة..
قال: نحن نتولى الإنفاق على الترجمة وطبعها، مع الاحتفاظ بحقوقك كاملة.
قلت: إذاً.. سأكاشف أمين الريحاني في الموضوع..
واغتنمت فرصة زيارة الريحاني لميشال أبي شهلا، في مكتب مجلة «الجمهور»، وكانا قد عادا مع الوفد الصحافي اللبناني من زيارة المغرب الإسباني، بدعوة من الجنرال فرنكو، وأطلعته على النسخة العربية من كتابي، وعرضت عليه ترجمته نيابة عن عزمي النشاشيبي. فقال: بعد أن تفحص الكتاب جيداً، إنه لكتاب حري بالترجمة، غير أنني لا أستطيع القيام بهذا العمل لأنني متعب من السفر، ثم إنني في وضع صحي يتطلب مني الركون إلى الراحة.
وبعد قليل من الصمت ابتسم وقال: ما الذي تنتظره من وضعك هذا الكتاب بالعربية وترجمته إلى الإنكليزية؟..
قلت مداعباً: الحصول على وسام!..
قال ضاحكاً: إي إنت بحاجة إلى أوسمة!.. ثم لا تنسى أن نداء «هايل هتلر» عند الألمان يوازي نداء «الله أكبر» عند المسلمين!..
وعلمت فيما بعد أن الكتاب ترجم إلى الإنكليزية وطبع في لندن، وقد تولى ترجمته السير حسن سهروردي، مندوب الهند لدى البلاط الملكي البريطاني، وإنني أحتفظ بنسخة واحدة عن الطبعة الإنكليزية. أمّا الطبعة العربية، فهي محفوظة في مكتبة الجامعة الأميركية في بيروت في خانة «صدقي، نجاتي».
وأذكر بهذه المناسبة أنني تلقيت إثر صدور كتابي هذا، بطاقة من المفوض السامي الفرنسي المسيو غبريل بيو، يقول فيها: «إلى السيد نجاتي صدقي.. مع الشكر والتهنئة على كتابه الذي يمني النفس بالسعادة والأمل»، بيروت في 15 حزيران/يونيو 1940م.
كما تلقيت بطاقة من السفير البريطاني في بيروت يقول فيها: «مستر ج. هارفارد يشكر السيد نجاتي صدقي على النسخة الهدية من كتابه الذي يحمل الالتزام الكبير في عرض إهدائه!..»، بيروت في 5 أيار/مايو سنة 1940م.
ونشرت صحيفة «الأوريان»، بتاريخ 7/7/1940م، مقالاً تحدثت فيه عن الكتاب، وقيمته بالنسبة لموضوعه، وطريقة معالجته العلمية والموضوعية.
فموقفي من النازية هذا قد أثار الرفاق في لبنان، واعتبروا اعتمادي على النصوص الإسلامية في مجابهة النازية، خروجاً على سياسة الحزب وقرروا «طردي» من صفوفه، ونشروا هذا القرار في صحيفة حزبية سرية مطبوعة على الجلاتين.
فالسياسة التي اتبعها الحزب من الحرب العالمية الثانية كانت بداية مأساة له ولأعضائه وقادته، إذ اعتبرتهم سلطات الانتداب أعداء للحلفاء وللديمقراطية العالمية، فعطلت صحيفته «صوت الشعب»، وطاردتها وحملتهم على الاختفاء، وزجت بمن قبضت عليهم منهم في السجون، وفي معتقل «المية ومية» في صيدا. ولم يدركوا الخطأ الكبير الذي وقعوا فيه إلاّ في وقت متأخر، أي بعد أن اكتسحت القوات النازية الحدود السوفياتية سنة 1941م، وأعلنوا أنهم على استعداد للانخراط في الجيش الفرنسي دفاعاً عن الحرية والديمقراطية.
لقد كتمت هذه المرحلة من حياتي السياسية مدة سبع وثلاثين سنة على وجه التقريب، وأسقطتها من البحث الذي كتبه عني المرحوم (البدوي الملثم) يعقوب العودات، والمنشور في مجلة «الأديب» بتاريخ أول أيار/مايو سنة 1968م.
أمّا المرحلة الثانية من حياتي الفكرية، فتتصل بالأدب، والتأليف، والترجمة، والعمل الإذاعي، وكتابة البرامج والتمثيليات الإذاعية، والقصة القصيرة.. وقد نشرت قسماً منها في ثلاثة عشر كتاباً محفوظة في مكتبة الجامعة الأميركية في بيروت.

مناضل متعدد الاهتمامات والمواهب:

يقول الأستاذ حنّا أبو حنّا: «أدهشني تنوع اهتمامات هذا الرجل .. ولفتت النظر قصصه القصيرة التي نشرها في مجلة «الرسالة» المصرية منذ سنة 1946م، ثم في مجلة «الكتاب» المصرية أيضًا. ومازلنا نذكر بصورة خاصة قصة «الأخوات الحزينات» التي تحكي عن خمس جمّيزات أصبحت تقف غريبة في شارع الملك جورج في تل أبيب.. وفي حلم تبدو خمس أخوات متشحات بالسواد تقص كل واحدة سيرتها التي تحمل طرفًا من تاريخ فلسطين .. وعندما يحين دور الصغرى الخامسة المولودة سنة 1917م ـ تصمت وتلح عليها شقيقاتها، في أن تتحدث فتقول: «أحقًا إنكن لا تعرفن شيئًا عن ذكرياتي، ولماذا نحن متشحات بالسواد، ولماذا ينعتنا الناس بالأخوات الحزينات؟» ... الإشارة التاريخية هنا واضحة. وتنتهي القصة التي كتبت في الأجواء العاصفة آنذاك بالقول: «وكانت رياح الخريف تقصف بشدة .. تهز الجماد والأحياء إلا أنها لم تقو على تلك الشجرات، فقد ظلت راسخة كالطود..» .
وفي شهادة للمفكر بولس فرح ، يقول:«كان نجاتي عنصرًا مثقفًا، انضم إلى الشيوعية بدافع من رؤية إنسانية وعقلانية. كان مفكرًا لا يلقي الكلام على عواهنه، حذرًا في حديثه متزنًا لطيف المعشر أشبه بخريج أكاديمي، فلما سمعته يندفع في الكلام على عواهنه، حذرًا في أناة، وأكثر صبرًا في الحوار» .
يقول الدكتور كامل السوافيري: «نجاتي صدقي أديب مطبوع متعدد المواهب، متنوع الثقافة فهو مترجم إذا عد فرسان الترجمة من أدباء فلسطين كان واحدًا منهم، وهو قصاص بارع، وناقد شجاع، وباحث متعمق وقد أجاد عدة لغات.
كتب عن أدباء روسيا بوشكين وتشيكوف ومكسيم جوركي، وأطلع على روائع الأدب القصصي العالمي الروسي والانكليزي والفرنسي والصيني والإسباني وأتاح له اطلاعه الواسع وتجواله في دول الغرب، وعمله في الإذاعة والصحافة أن يبرع في فنون الأدب المختلفة فكتب البحث والمقالة وأجاد كتابة القصة، وبرع في النقد، ولمع في الترجمة وتجاوزت شهرته حدود فلسطين لما أصدرته له دور النشر في القاهرة من ترجمات وكتب، وما نشره من أقاصيص على صفحات مجلة الرسالة التي كان يصدرها في القاهرة الأستاذ أحمد حسن الزيات.
ويعد نجاتي صدقي من أدباء فلسطين اللامعين الذين ذاعت شهرتهم على صفحات الرسالة، والذين احتفى بهم القراء في العالم العربي نتيجة ما نالوا من الشهرة عن طريق الكتابة والإذاعة في محطة الشرق الأدنى، وترجمة روائع الأدب العالمي. وقد أثرى المكتبة العربية بما كتب من مجموعات قصصية قصيرة، وبما نشر من دراسات، وما ترجم من مختارات لأعلام الأدب الروسي والصيني والإسباني» .
وبدوره يحدثنا الدكتور عبد الرحمن ياغي عن المكانة المرموقة التي يحتلها نجاتي صدقي في المشهد الأدبي الفلسطيني منذ ما قبل نكبة فلسطين عام 1948م، يقول د. ياغي: «لعل قدم الأستاذ نجاتي أن تكون أرسخ في ميدان القصة القصيرة من أية قدم في حياة الأدب في فلسطين، وكثيرًا ما يجنح إلى البحث والدرس والتحصيل في جوانب الثقافة المختلفة حتى لا يكاد يبقى لنفسه متسعًا للوضع والتأليف والإنشاء!
وهو فيما يبحثه ويدرسه صاحب ملكة قوية أحسن شحدها ورياضتها حتى غدت قادرة على التقاطّ العناصر الرئيسية المكونة لأي اتجاه سواء أكان ذلك في العلم أم في الأدب... ومن هنا كان انتفاعه كبيرًا... فحين كان يعد الأبحاث الاقتصادية لمجلة «الجمهور» في عام 1938م كان يضع أصابعه على مشاكل يضوئها تضويئًا فنيًا فيبحث المشاكل بأضواء أشبه ما تكون بالمعالجة الفنية القصصية دون أن تفقد بين يديه عمق البحث العلمي ..» .
من جهته يقول الدكتور هاشم ياغي في كتابه القيم «حركة النقد الأدبّي الحديث في فلسطين»، عن (نجاتي صدقي) أنه: «يكاد يكون ناقد اليسار الكبر فهو صاحب فلسفة في نقده تتسع حتى تشمل مختلف ألوان نشاط الإنسان عامة، والنقد الأدبي والأدب منه خاصة، فهو يشمل الحركة الوطنية العربية الحديثة عامة والحركة التركية الوطنية الحديثة، ومواطن التقائهما، ثم مواطن تنافرهما والصدام بينهما، ويشمل كذلك الموسيقى فيكتب مفسرًا بعض الاتجاهات فيها في أضواء هذه الفلسفة. أما الثقافة فيتناولها بمنهجه هذا في أبعد آفاقها. وكان لجانب النشاط الاجتماعي نصيب من أضواء نجاتي صدقي» .
يضيف د. هاشم ياغي: «لعل أبرز المقالات النقدية التي كتبها نجاتي صدقي بمنهجه النقدي اليساري مقالتين كتبهما عن العلامة عبد الرحمن بن خلدون فقد كتب المقالة الأولى تحت عنوان: (عبد الرحمن بن خلدون ـ أول فيلسوف عربي يحاول تفسير التاريخ تفسيرًا ماديًا). وكتب المقالة الثانية تحت عنوان: (ابن خلدون ضد المثالية انتقاده المر للمؤرخين العرب الذين يضعون الخرافات أساسًا لأبحاثهم» .
ويتابع د. هاشم ياغي حديثه عن (نجاتي صدقي) الناقد، فيقول: «حاول نجاتي أن يتبين منهج بيتهوفن في سيمفونيته التاسعة أو إيقاعه التاسع. وهو في محاولته هذه ينم في وضوح عن جوانب من سمات المدرسة الواقعية الجديدة» .
ويبين الدكتور هاشم ياغي أن (نجاتي) «حاول بهذا المنهج أيضاً أن يكتب عن داروين وآرائه، في مؤلفه (أصل الأنواع بواسطة الانتخاب الطبيعي)، كما حاول نجاتي أن يكتب عن ديكارت والمادية الميكانيكية بالمنهج نفسه الذي نعده من الواقعية الجديدة، وهو المنهج الذي يفسر النشاط الفكري والثقافي والفني بالتركيب الاجتماعي المتأثر بالعلاقات الإنتاجية والاقتصادية.
كما حاول نجاتي أن يرسم جانبًا بارزًا من سمات مدرسته في النقد والتفكير والإنتاج الثقافي، فكتب في مجلة الأمالي اللبنانية سنة 1938م مقالة بعنوان: «المدرسة المادية العربية»» .
ويقف الدكتور عبد الرحمن ياغي عند دراسات (نجاتي صدقي) واصفًا إياها بـ«العميقة القيمة» والتي نستخلص منها «أن ابن خلدون عالم مادي ومؤرخ واقعي يضع الحياة الأرضية، والبيئة الاجتماعية، والظروف التي تكتنفنا، والوسط الذي يحيطنا أساسًا لتفسير كل أنواع المظاهر الاجتماعية والأحداث التاريخية؛ وهو يستهزئ بكل المؤرخين العرب المثاليين الذي يعتقدون بالخرافات والخزعبلات. ونراه في انتقاده لهم لا يرمي الكلام على عواهنه بل يأتي بالبراهين العلمية المقنعة التي يعجز عن الوصول إليها اليوم بكثير من علماء أوروبا» .
يضيف د. ياغي: «وقد جلا في دراسته هذه فلسفة ابن خلدون، والاتجاه العصري الذي ينتمي إليه، وبيَّن التشابه القوي القريب بينه وبين أرنست هيكل من ناحية نظرته الفلسفية الجدلية.. وبينه وبين كارل ماركس من ناحية المادية وصراع الطبقات.. وجاء بالحجة والبرهان من أقوال ابن خلدون نفسه في المقدمة.. ويوضح نظرته التي تعد أسمى ما يقدر أن يصل إليه الفكر البشري في هذا الشأن وهي مقبولة لدى العلماء الواقعيين أكثر من أي نظرية سواها» .
وفي ذات السياق يقول الدكتور محمد عبيد الله في بحثه «معالم القصة القصيرة في فلسطين والأردن في القرن العشرين»: «لعل نجاتي صدقي أبرز الرواد في الاطلاع على المادية التاريخية والدعوة إلى قيام مدرسة عربية تتبنى الكتابة من منظورها الواقعي، أي الواقعية الاشتراكية المتجاوزة للمنظور الرومانسي. وله دور مبكر في الترجمة وفي التعريف بأعلام الأدب الروسي..» .
يضيف د.عبيد الله: «ظهرت قصص نجاتي قبل النكبة في عدد من الدوريات، ومعظم قصص مجموعته: (الأخوات الحزينات) المنشورة عام 1953م من رصيد تلك الفترة،.. ونشر مجموعته الثانية بعنوان: (الشيوعي المليونير)، وله خلاف ذلك جهود واسعة في المجال الإعلامي والصحفي» .
وعن كتابيه (بوشكين) و(تشيكوف) الصادرين عن دار المعارف بمصر، يقول د. هاشم ياغي: «إن الذي يطلع على هذين الكتابين يلحظ الجهد الكبير الذي قام به نجاتي صدقي ليقدم لقراء العربية هاتين الثمرتين الرائعتين من ثمار الأدب الروسي. وقد جاء فيهما آراء نقدية حصينة ففي كتابه عن (بوشكين) يعنى نجاتي صدقي عناية ملحوظة بحديثه عنه فيشير إلى مختلف القضايا من حوله وفي حياته، مثل تأثر بوشكين بالأدب الفرنسي وبالأدب الانكليزي وخاصة بشكسبير وبيرونن ومثل الموازنة بين بوشكين وبيرون والعوامل التي صقلت ذهنية بوشكين، وأبرز الأحداث التي أثرت في حياته، والبيئات التي لعبت دورًا أصيلاً فيها، والاتجاه الأدبي واللغوي الذي اتجهه بوشكين، ونزوع بوشكين نحو المذهب الممهد للواقعية في الأدب الروسي، وخاصة في بعض آثاره مثل رواية (روسلان ولودميلا)، ومثل إلقاء الضوء على آثار بوشكين ومدى صلتها بالحياة الاجتماعية الروسية، ومدى إيمان بوشكين بأدبه وبأن هذا الأدب مصدر معاش له عكس غيره من الفنانين النبلاء في عصره. وكما هو الحال في كتاب بوشكين فعل نجاتي في كتابه عن تشيكوف، فبث فيه الكثير من آراءه النقدية» .
ومما جاء في رسالة الأديب اللبناني الكبير ميخائيل نعيمة في مقدمة كتاب (بوشكين)، قوله لـ(نجاتي): ومما يزيد في قيمة عملك أنك، وقد حصلت من اللغة الروسية قسطًا ليس بالقليل، تستقي معلوماتك من مصادرها الأصلية، وفي ذاك ما يغريني بالأمل ـ وقد فرغتّ من حياة بوشكين ـ أن أراك تنصرف إلى نقل بعض المعالم الأدبية الروسية إلى العربية» .
ويقول (نجاتي) حين يعد دراسته عن تشيكوف: «لقد انتقيت لكتابي هذا مجموعة من مسرحيات تشيكوف ذات الفصل الواحد، كما انتقيت له طائفة من قصصه الروسية الصحيحة، ونقلتها إلى اللغة العربية، محافظًا على روح المؤلف، ومزاجه، وتعابيره، بحيث لا يتعذر على القارئ أن يلمس أنه يطالع أدبًا غير أدبه، ويشاهد مجتمعًا غير مجتمعه» .









من آثاره القلمية:

يملك (نجاتي) قلماً خصباً أشتهر صاحبه بالقصة القصيرة وتأثر بأشهر أعلامها أمثال أنطون تشيكوف (من الروس) ودي موباسان (من الفرنسيين) وادغار ألان بو (من الأمريكيين). وقد أثرى المكتبة العربية بطائفة من المقالات والقصص والترجمات والدراسات الفكرية والكتب الطريفة، ونشر الكثير من نتاجه في أشهر المجلات العربية أمثال:
1 مجلة «العرب»، الصادرة في القدس، لصاحبها ورئيس تحريرها عجاج نويهض، عام 1933م، وقد وقع مقالاته فيها باسم (باحث).
2 -مجلة «الطليعة»، بيروت، نشر فيها في عامي (1937 -1938م)، أبحاثاً هامة منها: «آراء مادية في تاريخ الحركة الوطنية العربية».
3 مجلة «الجمهور»، بيروت، لصاحبها ميشال أبي شهلا، عام 1938م.
4 جريدة «النهار»، بيروت، لصاحبها جبران تويني، عام 1938م، عمل فيها محرراً اقتصادياً.
5 جريدة «المكشوف»، بيروت، لصاحبها الشيخ فؤاد حبشي، عام 1939م، كتب فيها دراسات نقدية.
6 جريدة «البشير»- بيروت، عام 1939م، نشر فيها أبحاثاً اقتصادية.
7 مجلة «المراحل المصورة)، بيروت، لصاحبها غبريال خباز، عام 1940م، عمل فيها محرراً.
8 مجلة «الرسالة»، القاهرة، لصاحبها أحمد حسن الزيات، نشر فيها في عامي (1946- 1951م)، مقالات نقد وقصص.
9 مجلة «الأديب»، بيرو

_________________


زروني في مدونتي القدس الشريف مدينتي
http://snajdivgmailcom.blogspot.com

سمير ابن القدس
كاتب واديب عربي

عدد المساهمات: 927
تاريخ التسجيل: 17/03/2012
العمر: 47
الموقع: القدس الشريف

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواد مقدسيون

مُساهمة من طرف سمير ابن القدس في الثلاثاء يوليو 17, 2012 1:02 am




رواد مقدسيون







المفكر المقدسي بندلي صليبا الجوزي



المفكر المقدسي بندلي صليبا الجوزي (1871-1942م)
رائد البحث العلمي الاجتماعي والدراسات التراثية العربية – الإسلامية في فلسطين
بقلم أوس داوود يعقوب/ خاص بمؤسسة القدس للثقافة والتراث

لمع نجم الدكتور بندلي صليبا الجوزي (1871-1942)"1" في النصف الأول من القرن العشرين كعلم من أعلام الاستشراق واللغات السامية في روسيا، واشتهر كمؤرخ عربي كبير، وباحث لغوي تولى كرسي العربية في جامعة قازان حتى نهاية الحرب العالمية الأولى ."2"
وهو من رعيل الفلسطينيين الأوائل من حملة مشاعل الأدب والفكر، له الكثير من الأبحاث والدراسات. وقد تصدى للمستشرقين، وانتقد قصر نظرهم وتعصبهم. خدم العربية في حركة «الاستشراق» خدمات ثمينة. ويصفه المستشرقون بأنه كان مرجعًا خصبًا من مراجعهم. واسمه عند الإفرنج (Pandéli) .

وقد زار فلسطين ثلاث مرات، وقدم العديد من المحاضرات في منتدياتها المختلفة. ونبّه الفلسطينيين إلى الأخطار المحدقة بهم، والمحاولات التي كانت تقوم بها حكومة الاحتلال البريطاني من أجل تهويد فلسطين وطرد أهلها.

الميلاد والنشأة:

وُلِد (بندلي) "4" في مدينة القدس في 2 تمّوز (يوليو) 1871م. وقد توفيت والدته في أثناء الوضع، وتوفي والده، وكان يعمل نجارًا، بينما كان (بندلي) في السادسة من عمره "5". لذلك فإن العائلة المؤلفة من أخواته الثلاث، وصليبا الذي يكبره سنًا، قاموا بالعناية به وتنشئته.
تقول أخته مريم التي عاشت أكثر من مئة عام : «إن طفولة بندلي كانت هادئة على وجه العموم. ولكنه عندما أصبح قادرًا على المشي، كان يحب اللعب والركض. وفي العاشرة أو أقل بقليل، كان يعتزل رفاقه، ويخرج إلى سطح الدار التي تطل على أسوار القدس القديمة، وينتحي ناحية قصية أو يستمتع بقراءة القصص التي كانت رائجة في تلك الأيام، كما كان يحب أن يسهر ليلاً ليتأمل ويفكر».
تلقى (بندلي) علومه الابتدائية وقِسْمًا من دراسته الثانوية في دير «الإشارة» الصليبي المعروف بـ«دير المصلبة» الأرثوذكسية في القسم الغربي من القدس، وهو دير يوناني أرثوذكسي. ومنه قصد مدرسة «قفطين» الأرثودكسية، (من أعمال طرابلس الشام). وتمكّن من اللغة العربية وهو في السابعة عشرة من عمره.
ونظرًا لتفوقه في الدراسة الثانوية أُرسِل عام 1891م لاستكمال علومه الدينية في الأكاديمية الدينية في موسكو. لدراسة اللاهوت ليتخرج كاهنًا. ولكنه عدل عن ذلك بعد أن درس اللاهوت في موسكو ثلاث سنوات، ولم يرغب في الاستمرار هناك، فانتقل عام 1895م إلى «أكاديمية قازان» لدراسة الدراسات العربية والإسلامية واللغات السامية، وحصل منها على درجة الماجيستير في اللغة العربية والدراسات الإسلامية سنة 1899م. وكان موضوع أطروحته «المعتزلة، البحث الكلامي التاريخي في الإسلام».
يقول الأستاذ صقر أبو فخر: «عاش (بندلي) غريباً في بلاد بعيدة، ولعل ارثوذكسيته ساهمت في تلطيف أوجاع الغربة، لكنه ما كاد ينال درجة الأستاذية في بلاد الموسكوب حتى وقعت ثورة تشرين الأول/أكتوبر 1917م، فعاش غربة مزدوجة في إطار النظام الشيوعي الجديد، ولا سيما أنه لم يكن شيوعياً بل ليبرالي التفكير وأرثوذكسي العقيدة. ولهذا لم يتمكن من التلاؤم كثيراً مع الأفكار الاشتراكية إلا في سياق فكرة العدالة الاجتماعية، وفي ميدان التخلص من اللاهوت التقليدي، وإخضاع الروايات الدينية للنقد التاريخي»"6" .
و«كان بندلي جوزي غساني الأصول وعروبي النزعة. وأرثوذكس فلسطين، خلافاً للبعض، لم يطلبوا الحماية الروسية على الإطلاق، بل تطلعوا إلى دولة عربية قومية يتساوى فيها جميع المواطنين، ورأوا أن القضية القومية تتقدم، في الأولوية، على المسألة الدينية. وبناء على هذا التطلع، ثار الأرثوذكس على كهنة الكنيسة اليونانيين، ودعوا إلى تعريب كنيستهم وهي العربية أصلا، وطالبوا المسلمين باسترداد الخلافة من الأتراك. ولمع في هذه «الثورة» خليل السكاكيني الذي كان فريدًا في غضبه، وجريئًا في عرض أفكاره، ونادرًا بين المفكرين النقديين في فلسطين» "7".
عاد (بندلي) إلى القدس عام 1900م ليبقى فيها، وأخذ ينبه الناس ويقول لهم: «أفيقوا من هذا السبات الذي تغطون فيه، ودافعوا عن حقوقكم المهضومة وحريتكم»، وبدأ ينشر أفكارًا تحررية،. ويهيب بالناس أن يكسروا القيود التي تكبلهم، ويثوروا ضد الظلم والقوى الرجعية الحاكمة. مما حدا بالسلطات العثمانية الحاكمة، أن تجبره على مغادرة القدس الشريف والعودة إلى روسيا.
ولدى عودته عمل في السمنار الروسي وفي الأكاديمية الروحية بمدينة قازان. وفي عام 1903م تزوّج من فتاة روسية تدعى (ليودميلا لورنيشيتفنا زويفا)"8" ، المولودة في 25 تشرين الأول (أكتوبر) 1880م، والمتوفاة في الثلاثين من شهر حزيران (يونيو) 1931م في مدينة باكو"9" ، ورُزق منها سبعة أبناء، ثلاثة ذكورًا وأربع بنات، اهتم بتربيتهم وتعليمهم فاحتلوا فيما بعد المراكز المرموقة في الجامعات السوفياتية. وهم "10":
1-فلاديمر: ولد سنة 1904م، حاز على درجة دكتوراه في الفيزياء. كان برفسورًا في جامعة أذربيجان. تزوج. لم ينجب.
2-جيورجي: ولد سنة 1911م في مدينة قازان. أنهى كلية الجيولوجيا في معهد البوليتكنيك – أذربيجان سنة 1933م. عمل كجيولجي. قتل في الحرب العالمية الثانية سنة 1942م.
3-بوريس: ولد سنة 1913م في قازان. درس في كلية التنقيب الجيولوجي، في معهد أذربيجان الصناعي، وتخرج سنة 1939م. شغل وظيفة رئيس قسم الفلزات الطبيعية غير المعدنية في وزارة الجيولوجيا في الاتحاد السوفييتي.
أما بناته الأربع فهن:
1-أنتاسيا المولودة في قازان سنة 1905م. درست أولاً في قازان، ثم انتقلت مع زوجها، وابنتها إلى باكو سنة 1925م. أنهت دراستها العلمية في جامعة أذربيجان – فرع الرياضيات والفيزياء: نالت شهادة الماجستير في سنة 1939م، وحصلت على الدكتوراة بامتياز. حضرت العديد من المؤتمرات الدولية ممثلة الاتحاد السوفييتي. توفيت سنة 1981م.
2-الكسندرا: ولدت سنة 1907م في قازان. درست في قازان وباكو. أنهت دراستها في كلية التربية – قسم علوم التاريخ العام من جامعة أذربيجان، سنة 1930م، توفيت في باكو سنة 1931م.
3-تمارا: من مواليد قازان سنة 1909م، أنهت دراسة التكنولوجيا في جامعة أذربيجان، سنة 1931م. حصلت سنة 1949م على شهادة دكتوراة في العلوم.
4-أولفا: ولدت في قازان سنة 1915م. تعيش حالياً في لينغراد. أتمت دراستها المتوسطة في باكو، وعلومها العالية في جامعة لينغراد، قسم البيولوجيا، باختصاص أعمال التعدين. حصلت على الماجستير سنة 1951م، كما حصلت على الدكتوراة في العلوم البيولوجية سنة 1954م.
ومما هو جدير بالذكر أن أحفاده وحفيداته – وهم كثر أصبحوا علماء متخصصين يشغلون مناصب رفيعة في سلك التعليم الجامعي، وفي معاهد العلوم والتكنولوجيا.







المفكر المقدسي بندلي الجوزي

نضاله في القدس ضد التخلف والاستبداد ..

عاد (بندلي) إلى الشرق الأدنى عام 1909م في بعثة علمية لمدة عام كامل أشرف خلالها على رحلة الطلبة الروس إلى فلسطين.
ويشير الدكتور عادل مناع في كتابه «أعلام فلسطين في أواخر العهد العثماني (1800-1918م)»، إلى رحلة (بندلي) تلك أنه تعرّف إلى الكثيرين من أدباء فلسطين في ذلك العهد، ومنهم إسعاف النشاشيبي وجميل الخالديّ، وخليل السكاكيني. كما تعرف في بيروت إلى المستشرق الروسي (كراتشكوفسكي) الذي أوقف حياته على البحث والتدقيق في آداب اللغة العربية ."11"
ويذكر الدكتور عبد الرحمن ياغي في كتابه «حياة الأدب الفلسطيني الحديث من أول النهضة ... حتى النكبة» أنه ـ وفقًا لحكاية رواها الكاتب الروسي المعاصر (ثيودورف) في جريدة «ريتش» الروسية ـ فإن (بندلي) التقى (كراتشكوفسكي) مع عدد من أدباء فلسطين في منزله بمدينة القدس: «اجتمعت ببعض أدباء القدس في منزل الخواجا بندلي الجوزي، أستاذ الآداب العربية في كلية قازان: وكان معي الخواجا كراتشكوفسكي المستشرق الروسي، وكان قد جاء الشرق في مهمة علمية فأقام في مصر وسوريا وفلسطين لهذه الغاية سنة ونصف السنة، فأتقن اللغة العربية، وتخلق بأخلاق العرب وعاداتهم. أما الأدباء الذين أشرت إليهم فهم الأستاذ خليل السكاكيني، والشاعر الكاتب إسعاف النشاشيبي، وارستقراطي من سلالة الفاتحين جميل الخالديّ، وكان حديثنا بعضه بالفرنسية وبعضه بالانكليزية وأكثره بالعربية، وكان رفيقي المستشرق وصاحب المنزل يترجمان الحديث. وكنت اسمع وأنا مسرور مرتاح حديث هؤلاء الشبان المتقدين ذكاء وحماسة ووطنية...» . "12"
وفي السنة التي أقام معظمها في فلسطين (1909م) شاهد التأخّر والجهل وظلم السلطات العثمانية والإقطاعيين السائرين في فلكهم، فأخذ ينشر الأفكار التحررية، ويحرض الناس على كسر القيود، والثورة على أوضاعهم.
عاد (بندلي) إلى جامعة قازان بعد انتهاء سنة البعثة، وعمل أستاذًا مساعدًا لمادة الشريعة الإسلامية في كلية الحقوق بجامعة قازان بين عامي (1911م و1917م). وانتقل بعد ذلك إلى كلية الآداب والتاريخ، وحاضر في تاريخ شعوب الشرق الأدنى حتى عام 1920م. وفي ذلك العام دعي إلى تولي كرسي اللغة العربية وآدابها في جامعة باكو الدولية، كما أسند إليه كرسي تاريخ الشرق الإسلامي.
وقد أصبح بين سنتي (1930م و 1933م) رئيسًا للقسم العربي من فرع أكاديمية العلوم في أذربيجان.
ولم ينسَ (بندلي) مسقط رأسه، بل عاد لزيارته عام 1927م، ثم في عام 1930م. وقد ألقى خلال زياراته تلك محاضرات قيمة في التاريخ والحركات الفكرية والاجتماعية والفلسفية عند العرب. وفي سنة 1930 أيضًا زار القاهرة مع صديقيه خليل السكاكيني وعادل جبر، فاحتفى بهم أهل الفكر في وادي النيل.
كما زار سورية والعراق وإيران لأغراض علمية.
وجاء على ذكره المؤرخ والأديب اللبناني الراحل عجاج نويهض (1897-1982م) "13"، في كتابه «رجال من فلسطين»، فقال عنه: «هذا العربي الفلسطيني لمع نجمه خارج فلسطين، وامتاز بضخامة العلم وبعد الغور فيه، حتى عد من صدور العلماء، وكثرت مؤلفاته ودقت أبحاثه وكان في كل ذلك من وراء الغاية، ولكن له قصة: وهي أن كتب له أن يبتعد عن وطنه فلا يزوره إلا كل عشر سنين أو عشرين سنة مرة، وإنما لقيناه في فلسطين في خلال إحدى هذه الزيارات بين (1928 ـ 1930م) وكان قد أدرك الستين من عمره تقريباً»" 14".
يضيف نويهض: «يشبه (بندلي) إلى حد كبير جرجي زيدان في سعة الفكر التأليفي، وكتبه كلها مما يهم العرب أمرها لأنها تبحث في موضوعات خطيرة، كلها نتاج التمحيض والنخل والتدقيق، وإنما عبارة (بندلي) ضعيفة البنية العربية ولا يؤاخذ على هذا لأن من الواضح أن حياته العلمية الفكرية كانت في ديار لا عروبة فيها، ومهما يكن من أمر فإن كتبه لا غنى عنها في المكتبة العربية الحديثة، وهي للباحث خير رفيق ودليل» "15".
وفي أثناء وجوده في القدس سنة 1928 طبع أحد كتبه (من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام) وهو كتاب خطير الباب وفيه من الآراء ما يقبل النقد والرد» "16".
وتكريمًا لجهود (بندلي) الفكرية أعاد الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين ـ الأمانة العامة، ضمن سلسلة إحياء التراث الثقافي الفلسطيني طباعة هذا الكتاب.
وقد كتب مقدمة الطبعة الثانية 1981م حسين مروة في عشر صفحات، نقتطف منها ما يلي: «هكذا نقرأ بندلي الجوزي».
«أما القول عن بندلي الجوزي، أنه رائد في حقل الدراسات التراثية العربية – الإسلامية، فذلك أصبح مألوف القول عندنا، بل يكاد يكون من بديهياته»، ويستطرد قائلاً:
«على أن عناصر الريادة في عمل بندلي الجوزي متعددة، فهي لا تقتصر على اقتحام التراث بقراءة منهجية، مادية، تاريخية، بل تضيف إلى ذلك عنصرين يزيدان هذا العمل قيمة تاريخية بالغة الأهمية، هما:
أولاً: إن بندلي ينطلق منهجياً من وعي علمي لارتباط حركة تطور المجتمع العربي – الإسلامي بالقوانين العامة الموضوعية ذاتها التي ترتبط بها حركة تطور المجتمع البشري ككل، مع إدراكه أهمية الخصائص التاريخية التي تميز مصداقية تلك القوانين في المجتمع العربي- الإسلامي.. إن وعيه العلمي لتلك الحقيقة المزدوجة يتجلى نظرياً في مقدمته لكتاب «من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام»، كما يتجلى عملياً في فصول الكتاب، خلال دراسته تلك الحركات في صورة رؤية القوانين العامة الموضوعية التي تحكم ظروف نشأتها ومسار حركتها، إيجابياً وسلبياً.
أما العنصر الثاني من العنصرين الإضافيين في ريادة الرجل، فهو سبقه إيانا نحو نصف قرن، إلى كشف المنطق الفكري للمنهج البرجوازي الغربي في دراسته تراثنا الفكري، وتحديد هذا المنطق بكونه ينكر شموليته القوانين العامة الموضوعية لحركة تطور المجتمع البشري، أي كونه ينكر خضوع المجتمع العربي – الإسلامي لتلك القوانين ويفتعل قوانين خاصة لهذا المجتمع «الخاص» تحكمه، بمعزل عن القوانين العامة لتلك.. ففي مقدمة الكتاب ذاتها، وفي سياق كشفه لهذا الأساس غير العلمي للمنهج البرجوازي الغربي يفضح الاستنتاجات المعادية للعلم التي تبني على ذلك الأساس نفسه، ولا سيما الاستنتاج الذي يؤدي مباشرة إلى الأخذ بالنزعة العرقية (العنصرية) في تصنيف شعوب البشرية وتميز بعضها من بعض، لا بالخصائص التاريخية الواقعية، بل بالخصائص الفطرية الطبيعية التي يزعمون أن الطبيعة اختصت بعض الشعوب بالخصائص العالية الممتازة، في حين اختصت الطبيعة شعوباً أخرى بخصائص أدنى شأناً في سلم التطور الحضاري. وبناء على هذا الأساس الفاشي المعادي للعلم والشعوب، تتمايز شعوب العالم وتتفاضل، فإذا ببعضها يقع في ذروة الهرم البشري، وبعضها في أدنى درجات الهرم، وبعضها بين هذه وتلك.
إن إدراك بندلي الجوزي موضع الخطأ الفادح، وموضع العداء للعلم وللإنسان، في أساس المنهج البرجوازي الغربي في دراسة تراثنا الفكري، يصح أن نعده العنصر الأهم بين عناصر الريادة التي أصبحت الصفة اللازمة، بجدارة، الاسم بندلي الجوزي»"17" .
وقد تصدى الدكتور بندلي في كتابه «من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام» للمستشرقين الغربيين الذين تخبطوا خبط شواء وتجنوا على العرب والشرق، وبينّ لهم قصر نظرهم وتعصبهم الذميم.
يقول في مقدمة الكتاب: «إن هؤلاء المؤرخين ويذكر نيبسور ((Niebhur ورانكه (Ranke) وشلوسر (Schlosser) بنو أحكامهم ونظرياتهم على تاريخ الغرب وحدة، إذ لم يكونوا يعرفون من تاريخ الشرق، إلا الشيء اليسير، سهل علينا والحالة هذه أن ندرك مقداراً ما في أقوال مؤرخي الغرب عن الشرق وتاريخه من الغرابة والطيش، فهل طيش أكبر من أن يقول أحدهم «إنه لم يكن ولن يكون للأمم الشرقية تاريخ بمعنى هذه الكلمة، المعروف بين علماء أوروبا، وأن أساليب البحث التاريخي التي وضعها علماء الغرب لا يمكن أن تطبق على تاريخ الشرق، وأية غرابة أو بالحري أي جهل أعظم من أن يقال: «إن العوامل المؤثرة في تاريخ الأمم الأوروبية، والنواميس العمومية الفاعلة في حياتهم الاجتماعية، هي غير العوامل والنواميس العاملة في تاريخ الأمم الشرقية وحياتهم وثقافتهم».
ويقول الدكتور معلقاً: «لو صدرت هذه الأفكار الغربية من مؤرخي الأجيال الوسطى، أو لو صدرت عن أناس عرفوا بالتعصب الديني أو القومي والأغراض السياسية والاستعمارية، لكان لهم في الجهل والتعصب عذر، أما وقد صدرت، ولا تزال أحياناً تصدر، عن فئة من العلماء ومؤرخي القرن التاسع عشر بل العشرين، فأي عذر لهم؟؟
وكانت مجلة «السمير» قد كتبت في حينه أن (بندلي) كان يسعى لإحياء الجوانب الإيجابية الثورية في تاريخنا العربي، واضعاً بذلك اللبنات الأولى للمؤرخين العرب التقدميين، الساعين إلى فهم التاريخ العربي فهماً علمياً، بعيداً عن الزيف والتزوير وأهواء الملوك، من أجل خدمة الحقيقة الناصعة والتاريخ العربي ذاته.
وفي قراءة نقدية للمؤرخ والباحث الأكاديمي الراحل الدكتور شوقي أبو خليل"18" ، لكتاب «من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام»، نقرأ ما يلي: يتكون كتاب (من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام) من مقدمة وخمسة فصول وخاتمة، والمقدمة عنوانها: (وحدة النواميس الاجتماعية)، والفصل الأول عنوانه: (أسس الإسلام الاقتصادية)، والفصل الثاني: (الإمبراطورية العربية والأمم المغلوبة)، والفصل الثالث: (حركة بابك وتعاليمه الاشتراكية)، والفصل الرابع: (الإسماعيلية) والفصل الخامس: (القرامطة). ثم خاتمة دون عنوان.
ولست، في هذه العجالة، في صدّد ذكر ما للكتاب وما عليه، ولكنها نقطة واحدة أود عرضها، وقد جاءت في المقدمة، وهي:
المقدمة كلها تفنيد لبعض أقوال مؤرخي الغرب عن الشرق وتاريخه، وما فيها «من الغرابة والطيش»، وخصوصًا (أرنست رينان) الفرنسي الذي قال: «إن تطور الأمم السامية الديني كان يقوم دائما على نواميس أخرى«، غير نواميس الأمم الغربية.
ويقول الدكتور بندلي الجوزي: «هذه النظرية أصبحت اليوم في خبر كان .. إن الزمان تولى دحضها بنفسه»، معتبرًا مثل هذه الأفكار أفكارًا عقيمة فاسدة ... الى آخر هذا الدفاع المجيد، والموضوعي العلمي عن تاريخ أمتنا، الا أن الأستاذ بندلي بدأ مقدمته بالفقرة التالية: «إذا نحن عرفنا أن أول من وضع مبادئ علم التاريخ وأساليب الانتقاد التاريخي، هم مؤرخو الغرب كينيبور (Niebhur)، ورانكه (Ranke)، وشلوتسر (Schlosser) وغيرهم ... ».
ونتساءل: هل حقًا أن هؤلاء المؤرخين الغربيين، هم أول من وضع مبادئ علم التاريخ، أساليب الانتقاد التاريخي ؟؟
أين هؤلاء من عبد الرحمن بن خلدون المتوفى سنة 1406م، وهؤلاء المؤرخون الغربيون، عاشوا في القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين ؟! .
لقد كانت (مقدمة ) كتاب ابن خلدون: «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»، صورة حية للحياة الاجتماعية في مختلف البيئات التي تقلب فيها ابن خلدون، وللعصر الذي انقضت فيه حياته، لقد وضعها بعد أن شعر بنقص التاريخ كما يفهمه المؤرخون، إذ يقتصرون على سرد الوقائع والأسماء، (فمقدمته): نقد تاريخي، مع تعليل وتفهم وتفسير.
ثم أن (المقدمة) عللت الظاهرات الاجتماعية، وأوضحت أثر السكن على الحياة الاجتماعية ، ودرست الظاهرات الاقتصادية، فيكون ابن خلدون بذلك قد بحث في علم الاقتصاد والسياسة والاجتماع والعمران، ويمكن القول أنه ولج ميدان ما يسمى اليوم (فلسفة التاريخ).
والكتب التي تتعلق بفلسفة التاريخ مباشرة، ظهرت بعد تأليف ابن خلدون لمقدمته، مثل: كتاب «الأمير» لميكيافيلي الايطالي. و«الحكومة المدنية» لـ(جون لوك) الانكليزي. و«العالم الجديد» لـ(جا باتيستافيكو) الايطالي. و(طبائع الامم وفلسفة التاريخ» لـ(فولتير) الفرنسي. و«آراء فلسفية في تاريخ البشرية» لـ(هردر) الألماني.. وكلهم اقتبسوا من ابن خلدون في كتبهم.
وسبق ابن خلدون في مقدمته «علماء الاجتماع» بقرون، سبق (غبرييلي تارد) ـ الفيلسوف الفرنسي ـ بالقول بالمحاكاة والتقليد، وكان ابن خلدون أعمق، لأنه أعطى رأيًا متميزًا، واعتبر التقليد ظاهرة ضعف، والظاهرة الاجتماعية هي تفرض نفسها على الأفراد، وأوجه الشبه بينه وبين (جان جاك روسو) واضحة من حيث الإيمان الشديد بحياة التقشف، وبينه وبين (نيتشه) في نظرية الحق لقوة، وله لمحات لتفسير الظواهر السياسية بالعامل الاقتصادي، ومن الأفكار الهامة التي عرضها ابن خلدون بصريح العبارة: «وقد يكون من الصنائع في بعضها غيرها، مثل النجارة والحياكة معهما الخشب والغزل، إلا أن العمل فيهما ـ أي في النجارة والحياكة ـ أكثر، فقيمته أكثر»، وعلى هذا فان العبرة في تقويم سلم الإنتاج هي بكمية العمل التي بذلت لتحصيلها، ذلك أن العمل المبذول في صناعة قطع الأثاث أكبر من العمل الذي بذل في قطع الأشجار، والعمل المبذول في النسيج أكبر منه في الغزل، ولهذا يجب أن يجري تقويم كل نوع منهما وفقًا لذلك، فيكون الأول أغلى من الثاني.
ويلح ابن خلدون في توكيد معنى استمداد القيمة من العمل عدة مرات في مقدمته: «فلا بد في الرزق من سعي وعمل».
ليس ابن خلدون رائدًا في علم الاجتماع السكوني، بل هو رائد في علم الاجتماع الحركي، بدليل أنه لم يدرس المدن الفاضلة، بل درس المدن القائمة، ووازن بين ما كان وما صار.
لقد كان ابن خلدون شغوفًا بالتاريخ، ومع معاناته للسياسة، جاءت تجربته غنية، وبعد هذا كله، هل يصح قول الأستاذ الدكتور بندلي الجوزي : «أن أول من وضع مبادئ علم التاريخ وأساليب الانتقاد التاريخي هم مؤرخو الغرب (كنيبور)، و(رانكه)، و(شلوتسر)؟ ».
وهل سبق هؤلاء العلامة ابن خلدون حقا؟»"19".
وقال الدكتور ناصر الدين الأسد: «كان من كبار علماء اللغات والتاريخ، ومؤلفاته تدل على صبر وجلد على جمع النصوص والروايات وتتبعها واستقصائها، إلا أنه حين يكتب عن العرب والمسلمين كان يميل مع الهوى، وينحو نحوًا أبعد ما يكون من التجرد للعلم»"20" .
تقاعد بندلي الجوزي في شهر تشرين الأول سنة 1938م، إثر مرض القلب الذي
لازمه بين سنوات (1933 و1937م) وقد كان لموت ابنته (ألكسندرا) سنة 1931م أثر كبير في حياته، ففقد هناءة العيش ومتعة العمل. ثم أصابته الخيبة في النظام السوفياتي نفسه بعد اندلاع الصراع المكشوف بين (ستالين وتروتسكي) في منتصف عشرينيات القرن العشرين. وكانت ثالثة الأثافي هي سوقه إلى السجن في سنة 1941م بتهمة التجسس للانكليز. ومع انه خرج بريئاً بعد سنة، إلا أن آلامه كانت كبيرة، ولم يلبث أن توفي في 20 كانون الثاني (يناير) سنة 1942م إثر نزيف دماغي أصابه، وقد دفن في مدينة باكو.
منح اسمه وسام القدس للثقافة في سنة 1990م.






المفكر المقدسي بندلي الجوزي

آثاره القلمية:

كتب (الجوزي) في كبريات المجلات الفلسطينية والعربية مثل «النفائس العصرية»"21" ، و«المقتطف»"22" ، و«الهلال»"23" ، وغيرها. وكان يتقن إلى جانب العربية والروسية ثمان من اللغات القديمة والحديثة – كما جاء في النشرة التي أرسلتها جامعة باكو، وهي: الانكليزية والفرنسية والألمانية والتركية والفارسية والعبرانية، والإغريقية (أي اليونانية القديمة) والأذربجانية. وكان يقرأ الايطالية والاسبانية بطلاقة.
وقد ترك طائفة من المؤلفات العربية والروسية، وترجم عنهما واليهما. ويُقدّر أصدقاء (بندلي) مؤلفاته باللغة الروسية، بين موضوع ومنقول بستة وعشرين مؤلفًا"24" ، وترك تسع مخطوطات بالروسية ومخطوطتين بالعربية.
من مؤلفاته العربية والروسية:
1.اصطلاحات ومفردات إغريقية في اللغة العربية، جامعة باكو.
2.أصل الكتابة عند العرب.
3.أصل سكان سورية وفلسطين المسيحيين.
4.أمراء غسان من آل جفنة، المستشرق الألماني تيودور نُولْدِكِهْ "25" (ترجمة، بالاشتراك مع قسطنطين زريق)، ونشرته أكاديمية العلوم البروتستانتينية في برلين، طبع في بيروت، 1933م.
5.الأمومة عند العرب، ديكلن الهولندي،(مترجم عن الألمانية)، قازان ـ 1902م.
6.البحث في القرآن، قازان ـ 1914م.
7.تاريخ أذربيجان: لابن الأثير، 1940.
8.تاريخ اليعقوبي، (ترجمة) إلى الروسية، باكو ـ 1928م..
9.تاريخ حياة الفارابي وتلخيص نظامه الفلسفي، باكو
10.تاريخ كنيسة اورشليم، قازان ـ 1910م.
11.تاج العروس في معرفة لغة الروس، (جزءان)، قازان ـ 1903م.
12.جبل لبنان: تاريخه وحالته الحاضرة، قازان ـ 1914م.
13.الحركات الفكرية في الإسلام، بيت المقدس، 1928م(نال بكتابه هذا الدكتوراه من جامعة موسكو، وقد بحث فيه الحركات الاجتماعية حسب النظريات العلمية- الماركسية بذلك شهرة واسعة). ونظرًا لأهمية هذا الكتاب، تم طبع الكتاب ما يزيد عن عشر طبعات، نذكر منها: منشورات صلاح الدين - القدس ـ 1977م. دار الجيل ـ 1982م. دار الروائع، بلا تاريخ.
14.خطبة في الإسلام والتمدن.
15.رحلة البطريرك مكاريوس ابن الزعيم إلى بلاد الكرج.
16.الطاعون وأعراضه والوقاية منه، قازان ـ 1897م.
17.العلاقات الانجلو ـ مصرية، باكو ـ 1930.
18.علم الأصول عند الإسلام.
19.فتوح البلدان، للبلاذري، (ترجمة) إلى الروسية، باكو ـ 1927م.
20.القاموس الروسي العربي، (جزءان).
21.اللغة الروسية للعرب، قازان ـ 1898-1899م.
22.مبادىء اللغة الروسية لأولاد العرب (جزءان).
23.محمد المكي ومحمد المدني، قازان ـ 1903م.
24.المسلمون في روسيا ومستقبلهم، قازان ـ 1917م.
25.المصطلحات العلمية عند العرب المعاصرين، طبع عام 1930.
26.المعتزلة، البحث الكلامي التاريخي في الإسلام، قازان ـ 1899م.







المفكر بندلي الجوزي مع عدد من أصدقائه العرب

مخطوطات الدكتور بندلي الجوزي :"26"

1ميديا والميديون ص 12
2المتغلبون في بلاد القوقازص 52
3دولة عطا بيكوف في أذربيجان ـ تاريخ حياة ايلد بغيز ص 18
4المزيديت ـ الشيبانيت في أذربيجان ص 52
5القبائل العربية في بلاد عبر القوقازص 18
6النص العربي لرواية مجنون ليلى ـ (ليلى والمجنون) ص 35
7الموسوعات العربية وقواميس الموسوعاتص 27
8تاريخ حياة جلال الدينص 20
9ترجمة عدة فصول لابن أثير (طبعت من قبل الفرع الأذربيجاني لأكاديمية علوم الاتحاد السوفييتي).
10تاريخ الحركات الاشتراكية ـ الشيوعية في الإسلام ص 125
11ترجمة بعض أجزاء القاموس الجغرافي لياقوت الحموي الخاصة ببلاد وعبر القوقاز التي نسقها عضو الأكاديمية في كراتشكوفسكي والآستابيسليليف المخطوط في معهد التاريخ لأكاديمية علوم أذربيجان

بعض كتاباته في الدوريات العربية :

في مجلة الآثار من خرافات العرب في الإسلام مجلد (2) ج (11) أيار 1913م
في مجلة الكلية تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام – بقلم عبد اللطيف الطيباوي مجلد (15) ج (5) تموز 1929م
في مجلة الكلية هل اللغة العربية مفتاح اللغات؟ مجلد (16) ج (2,1) ت2 و ك1 1929م
في مجلة الكلية حقائق وخواطر في اللغة مجلد (17) ج (4) أيار 1931م
في مجلة الكلية مواد لغوية مجلد (18) ج (6) أيلول 1932م
في مجلة الكلية الجزية والخراج مجلد (18) ج (1) ت2 1931م
في مجلة الهلال صفحة من تاريخ التمدن عند العرب مجلد (36) ج(10) آب 1928م
في مجلة المقتطف الجزية والخراج في أوائل الإسلام مجلد (74) ج (5) أيار 1929م
في مجلة المقتطف الجزية والخراج في أوائل الإسلام مجلد (75) ج (1) حزيران 1929م
في مجلة المقتطف هل أصاب الدكتور الجوزي. بقلم عبد اللطيف الطيباوي مجلد (75) ج (1) حزيران 1929م
في مجلة المقتطف من المصيب؟ مجلد (75) ج (1) أيلول 1929م
في مجلة المقتطف حنين العرب إلى بني أمية مجلد (78) ج (6) حزيران 1931م
في مجلة المقتطف حنين العرب إلى بني أمية مجلد (79) ج (1) تموز 1931م
في مجلة المقتطف المستشرق الروسي كرتشكوفسكي مجلد (79) ج (3) أيلول 1931م
في مجلة المقتطف السفياني مجلد (83) ج (1) حزيران 1933م
في مجلة المقتطف السفياني مجلد (83) ج (1) تموز 1933م
في مجلة المقتطف أمير أموي من سلالة مسيحية (ترجمة) مجلد (79) ج (2) أكتوبر 1931م
في مجلة المقتطف القرآن والبحر مجلد (75) ج (2) تموز 1929م

وقد جمع الأستاذ ناجي علوش وجلال السيد مقالات بندلي الجوزي المنشورة في الصحف والمجلات وأصدراها بيروت في كتاب عنوانه «دراسات في اللغة والتاريخ الاقتصادي والاجتماعي عند العرب» ، دار الطليعة، بيروت ـ نيسان (أبريل) 1977م. صادر عن اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين.

الهوامش:

1-ذكر العلامة خير الدين الزركلي أنه ولد عام(1868م) وتوفي عام(1945م).
2-قازان: عاصمة جمهورية التتار السوفيتية المستقلة ذاتيًا، تقع بالقرب من نهر الفولغا فيها نحو 650 ألف نسمة. مركز صناعي وتجاري رئيسي. بها كثير من المنشآت الثقافية من بينها جامعتها التي تأسست عام 1804م.
3-خير الدين الزركلي، الأعلام، المجلد الثاني، دار العلم للملايين، بيروت ـ الطبعة الثامنة: 1999م.
4-نصبت روسيا القيصرية نفسها حامية للمسيحيين الأرثوذكس، وراحت تبسط نفوذها وسيطرتها على لبنان وفلسطين، وقد نقل الروس إلى المنطقة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، أسماء القديسين والقديسات مثل : قسطنطين، ونقولا، وصليبا، وبندلي وهو مختصر (بندلايمون)، وهو اسم قديس يوناني، بمعنى الرجل «الناصح« من فعل نصح، ينصح.
5- د. عادل مناع ، أعلام فلسطين في أواخر العهد العثماني (1800-1918م)، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت ـ الطبعة الثانية: 1995م.
6- صقر أبو فخر، مقالة: «بندلي جوزي غريب في الديار البعيدة»، جريدة السفير (ملحق فلسطين)، العدد (18) - السنة الثانية - السبت 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2011م.
7- المصدر السابق
8-ورد اسم زوجة بندلي الجوزي في أكثر من مصدر (ليودميلا لورنيشيتفنا زوينا) وهذا خطأ، والصواب هو (ليودميلا لورنيشيتفنا زويفا (بالنون)، ومعنى (زويفا) بالعربية «الذئبة»).
9- باكو: عاصمة جمهورية أذربيجان، ميناء على بحر قزوين سكانها نحو المليون. وتُعدُّ المركز الرئيسي للنفط في الاتحاد السوفيتي سابقًا.
10- نصري الجوزي، مقالة: «شخصيات فلسطينية: بندلي صليبا الجوزي (1871ـ 1942م)»، مجلة «الكاتب الفلسطيني»، العدد (20)، (تمّوز/يوليو) ـ (آب/أغسطس) ـ (أيلول/سبتمبر)، صيف 1990م. [لم تتوفر لدينا أي معلومات إضافية عنهم].
11- المستشرق الروسي أغناطيوس كرانشكوفسكي (توفي عام 1951م): أرسل في بعثة علمية للتوسع في دراسة العربية والتزود من المخطوطات فأقام عامين(1908 ـ 1910م) في فلسطين وسوريا ولبنان ومصر فزار المعاهد والمكتبات والتقى بالعلماء، ونبش عدداً وفيراً من مخطوطاتها، وعاد من كل ذلك بزادٍ وفير ذكره وأشاد به في كل ما كتب بعد ذلك . وقد أفرد لذلك كتاباً ترجم إلى العربية باسم: "مع المخطوطات العربية صفحات الذكريات عن الكتب والناس" تحدث فيه عن إقامته في البلدان العربية وعن المخطوطات النادرة التي قرأها واستنسخها وعن دور الكتب العربية وعن الشخصيات العربية التي تعرف إليها
12- د.عبد الرحمن ياغي ، حياة الأدب الفلسطيني الحديث «من أول النّهضة وحتى النكبة»، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت ـ 1981م.
13-عجاج نويهض (1897 ـ 1982م): هو عجاج بن يوسف سليم نويهض: مناضل، وسياسي، ومؤرخ، أديب، وصحفي. ويعدُّ من أشهر رجالات العرب الذين أسهموا بحركة النهضة الأدبية والفكرية في فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين. ولد في بلدة رأس المتن بلبنان، وحصل على دبلوم الحقوق من معهد القدس. بدأ نشاطه الصحفي فيها، وعمل في الحركة الوطنية، وكان أمين سر «المجلس الإسلامي الأعلى». أسس مجلة «العرب» الأسبوعية السياسية الناطقة بلسان «حزب الاستقلال العربي»، وكان من أركانه، وتوقفت، فواصل نشاطه الصحفي والسياسي في الصحف الوطنية الأخرى، وراسل بعض الجرائد في القاهرة. وفي أعقاب (ثورة القسام) اشترك مع قادة الحركة الوطنية بالإضراب الكبير عام 1936م فاعتقل، وعمل بأول إذاعة فلسطينية «هنا القدس». استقر بعد النكبة في الأردن، وعمل في الصحافة والإذاعة. وفي أواخر الخمسينات عاد إلى مسقط رأسه. من مؤلفاته: «الأمير جمال الدين عبد الله التنوخي»، و«أبو جعفر المنصور وعروبة لبنان». وإليه يعود الفضل في ترجمة كتابي «حاضر العالم الإسلامي" لستودارد و«بروتوكولات حكماء صهيون». ونشر في جريدة «الأنوار» البيروتية سلسلة مقالات بعنوان: «حملة مشاعل الأدب والعلم والفكر في فلسطين». وله: «فتح القدس»، و«رجال من فلسطين: ما بين بداية القرن حتى 1948م».
14-عجاج نويهض، «رجال من فلسطين: ما بين بداية القرن حتى 1948م»، منشورات فلسطين المحتلة، بيروت ـ طبعة أولى: 1981م.
15- المصدر السابق.
16- المصدر السابق
17-نصري الجوزي، مقالة: «المؤرخ الفلسطيني بندلي الجوزي»، مجلة «فلسطين الثورة»، 11 شباط (فبراير) 1984م.
18- الدكتور شوقي أبو خليل (1941 ـ 2010م): مؤرخ وبحاثة أكاديمي فلسطيني، وُلِد في مدينة بيسان، في فلسطين عام 1941م، وتلقى تعليمه في مدارس دمشق وثانوياتها، وفي عام 1965م تحصّل على الإجازة في التّـاريخ من كلّـيّـة الآداب بجامعة دمشق، ثم الدكتوراه في التّـاريخ من أكاديميّـة العلوم بآذربيجان عام 1990م. رحل عن عمر يناهز الواحد والسبعين عامًا، بعد أن ترك إرثًا علميًا عظيمًا، مثريًا المكتبة الإسلامية بمؤلفاتٍ قيّمةـ نافح فيها عن دينه وتاريخ أمته بالفكر المتَّزن، والدقة العلمية، والعبارة المشرقةـ وقد ركز الراحل في سنوات عطائه جهده في البحث التاريخي للمحطات العظيمة في تاريخ العرب والمسلمين، أضاء فيها جوانب العبرة والعظة في محاولة توجيهية منه في استخدام المعرفة التاريخية في التنمية الثقافية والإصلاح الاجتماعي، كما نافح عن بنية التاريخ الإسلامي في مواجهة مناهج بعض المستشرقين اليهود والصهاينة الذين استخدموا البعد الأكاديمي في التضليل المعرفي. من أهم أثاره القلمية نذكر: «أطلس السيرة النبوية»، و «أطلس الحديث الشريف»، و «أطلس التاريخ العربي الإسلامي»، و «أطلس القرآن الكريم»، و«بندلي الجوزي في الميزان (عصره ـ حياته ـ آثاره)، دار الفكر، دمشق، 1993م». (ينظر مقالنا: «شوقي أبو خليل في ذمة الله .. قضى العمر جوّابٌاً في آفاق المعرفة ـ ورحّالةً في دروب التاريخ»، موقع ديوان العرب: [www.diwanalarab.com]، نشر بتاريخ: 31 آب/أغسطس 2010م).
19- شوقي أبو خليل، مقالة: «بندلي الجوزي وكتابه من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام»، صوت العرب، العددان (8/9)، آب (أغسطس) ـ أيلول (سبتمبر) 1990م.
20- د. ناصر الدين الأسد ، الاتجاهات الأدبية الحديثة في فلسطين والأردن. معهد الدراسات العربية العالية، القاهرة ـ 1963م.
21- مجلة «النفائس العصرية»: أسس الأديب الفلسطيني خليل بيدس مجلته الشهيرة عام 1908م في مدينة حيفا، وكانت تصدر شهرية وبعد سنتين انتقلت إلى مدينة القدس، وهناك استمرت في الظهور حتى عام 1913م، ثم توقفت وعاودت إلى الظهور لمدة عام واحد عام 1919م. وهي المجلة الأدبية الأولى في فلسطين، وكانت مخصصة في أغلبها لنشر القصص. وقد سطعت أسماء كبار كتاب وشعراء فلسطين في تلك الحقبة من الزمن.
22- المقتطف: مجلة شهرية صدرت في بيروت أولاً عام 1876م، وصاحبا امتيازها الدكتور يعقوب صروف (1852ـ1927م) والدكتور فارس نمر (1856ـ1951م). وفي عام 1884م انتقلا بها إلى القاهرة، واحتجبت عن الصدور في عام 1952م.
23-الهلال: أنشأها جورجي زيدان في أول شهر أيلول / سبتمبر 1889م وما تزال تصدر حتى اليوم من القاهرة.
24-يذكر المرحوم الأستاذ نصري الجوزي أن ابنة عمه (انتساسيا) ذكرت له أن والدها ألف وترجم (37) كتاباً بلغات مختلفة.
25- تيودور نُولْدِكِهْ [Theodor Noldeke] (1836 ـ 1930م): من أكابر المستشرقين الألمان. ولد في هاربورج بألمانيا وتعلم في جامعات غوتنجن وفينّة وليدن وبرلين. وانصرف إلى اللغات الساميّة والتاريخ الإسلامي فعُين أستاذاً لهما في جامعة غوتنجن (سنة 1861) فجامعة كيل (1864) ثم في جامعة ستراسبورج (1872) ومات في كارلسروه (Karlsruhe) له كتب بالألمانية عن العرب وتاريخهم، منها «تاريخ القرآن»، و«حياة النبي محمد»، و«دراسات لشعر العرب القدماء»، و«النحو العربي»، و«خمس معلقات» ترجمها إلى الألمانية وشرحها. ونشر في مجلات الغرب وموسوعاته بحوثاً كثيرة، منها رسالة في «أمراء غسان» التي نقلها العربية بندلي جوزي وقسطنطين زريق. وله بالعربية أيضًا: «منتخبات الأشعار العربية»، واشترك في الإشراف على طبع «تاريج الطبري» وترجمته إلى الألمانية.
26- نصري الجوزي، مقالة: «شخصيات فلسطينية: بندلي صليبا الجوزي (1871ـ 1942م)»، مصدر سبق ذكره.
27- نصري الجوزي، المصدر السابق.
28- د. أنيس صايغ، وأحمد مرعشلي وعبد الهادي هاشم، الموسوعة الفلسطينية، (المجلد الأول)، إصدار هيئة الموسوعة الفلسطينية، دمشق ـ 1984م.

أهم المصادر والمراجع:

1.أحمد خليل العقاد، تاريخ الصحافة العربية في فلسطين، دار العروبة للطباعة والنشر، دمشق، 1967م.
2.أحمد عمر شاهين، موسوعة كتاب فلسطين في القرن العشرين، دائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية ـ طبعة أولى: 1992م.
3.د. أنيس صايغ ، وأحمد مرعشلي وعبد الهادي هاشم، الموسوعة الفلسطينية، (القسم الأول ـ 4 مجلّدات) ـ المجلد الأول ـ إصدار هيئة الموسوعة الفلسطينية، دمشق ـ 1984م.
4.حسين العودات ويسين الشكر، الموسوعة الصحفية العربية، الجزء الأول: (بلدان المشرق العربي: سورية ـ لبنان ـ فلسطين ـ الأردن)، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس ـ 1990م.
5.حنّا أبو حنّا، طلائع النهضة في فلسطين (خريجو المدارس الروسية) 1862 ـ 1914، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت ـ الطبعة الأولى: حزيران / يونيو 2005م.
6.خير الدين الزركلي، الأعلام، (8 مجلدات) ـ المجلد الثاني ـ دار العلم للملايين، بيروت ـ الطبعة الثامنة: 1999م.
7.د. عادل مناع ، أعلام فلسطين في أواخر العهد العثماني (1800-1918م)، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت ـ الطبعة الثانية: 1995م.
8.د.عبد الرحمن ياغي ، حياة الأدب الفلسطيني الحديث «من أول النّهضة وحتى النكبة»، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت ـ 1981م.
9.عجاج نويهض، «رجال من فلسطين: ما بين بداية القرن حتى 1948م»، منشورات فلسطين المحتلة، بيروت ـ طبعة أولى: 1981م.
10.د. قسطندي شوملي وآخرون، الموسوعة الصحفية العربية، (6 أجزاء، [الجزء السادس ـ المجلد الثاني]: (الصومال، قطر، السودان، السعودية، فلسطين، موريتانيا)، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس ـ 1999م.
11.د. ناصر الدين الأسد ، الاتجاهات الأدبية الحديثة في فلسطين والأردن. معهد الدراسات العربية العالية، القاهرة ـ 1963م.
12.يعقوب العودات (البدوي الملثم)، من أعلام الفكر والأدب في فلسطين، جمعية عمال المطابع التعاونية، عمان ـ طبعة أولى: 1976م.
13.يوسف أسعد داغر، مصادر الدراسة الأدبية ( 4 أجزاء)، ـ الجزء الأول ـ الجامعة اللبنانية، بيروت ـ 1987م.
14.يوسف ق خوري، الصحافة الفلسطينية في فلسطين (1887-1948م)، الاتحاد العام للكتاب والصحفيين، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت ـ 1976م.
مقالات ودراسات وبحوث:
1.أوس داوود يعقوب، مقالة: «شوقي أبو خليل في ذمة الله .. قضى العمر جوّابٌاً في آفاق المعرفة ـ ورحّالةً في دروب التاريخ»، موقع ديوان العرب: [www.diwanalarab.com]، نشر بتاريخ: 31 آب/أغسطس 2010م.
2.د. شوقي أبو خليل، مقالة: «بندلي الجوزي وكتابه من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام»، «صوت العرب»، العددان (8/9)، آب (أغسطس) ـ أيلول (سبتمبر) 1990م.
3.صقر أبو فخر، مقالة: «بندلي جوزي غريب في الديار البعيدة»، جريدة السفير (ملحق فلسطين)، العدد (18) - السنة الثانية - السبت 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2011م.
4.نصري الجوزي، مقالة: «المؤرخ الفلسطيني بندلي الجوزي»، مجلة «فلسطين الثورة»، 11 شباط (فبراير) 1984م.
5.نصري الجوزي، مقالة: «شخصيات فلسطينية: بندلي صليبا الجوزي (1871ـ 1942م)»، مجلة «الكاتب الفلسطيني»، العدد (20)، (تمّوز/يوليو) ـ (آب/أغسطس) ـ (أيلول/سبتمبر)، صيف 1990م.

و في الرابط التالي كتاب الحركات الفكرية في الاسلام للمفكر بندلي الجوزي




المصدر : خاص مؤسسة القدس للثقافة و التراث










_________________


زروني في مدونتي القدس الشريف مدينتي
http://snajdivgmailcom.blogspot.com

سمير ابن القدس
كاتب واديب عربي

عدد المساهمات: 927
تاريخ التسجيل: 17/03/2012
العمر: 47
الموقع: القدس الشريف

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواد مقدسيون

مُساهمة من طرف سمير ابن القدس في الخميس يوليو 19, 2012 12:10 am




رواد مقدسيون








المناضل المقدسي إميل الغوري .. (1907 – 1984م)
من رواد النهضة الفكرية والصحفية والعمل الوطني في فلسطين

بقلم : أوس داوود يعقوب/خاص بمؤسسة القدس للثقافة والتراث

يُعدُّ المناضل المقدسي إميل أنضوني الغوري من أبرز رجالات فلسطين منذ النصف الأول من القرن العشرين، ومن أبرز المساهمين في الحركة العربية الفلسطينية، وفي الحركة العربية الأرثوذوكسية . "1"

وكان جدُّه لأبيه (سابا الغوري) مؤسِّسًا في أول حركة وطنية أرثوذكسية لإعادة تعريب الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين (1860م)، وعلى خطى والده كان (أنضوني) والد إميل ناشطًا في الحركة العربية الأرثوذكسية في عام 1908م، وتحمَّـس إميل الغوري لإكمال مشوار والده وجده فشارك في عام 1932م في حركة عربية أرثوذكسية جديدة لتكرار محاولة تعريب الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين، وعندما شكـَّـل بعض الشباب العرب الأرثوذكس في القدس نادي الاتحاد الأرثوذكسي (النادي الأرثوذكسي لاحقًا) ."2"

وكان من أبرز أعضاء «اللجنة العربية العليا» "3" لفلسطين والتي تحول اسمها إلى «الهيئة العربية العليا» "4" لفلسطين ممثلة للشعب الفلسطيني وناطقة باسمه عام 1946م.

ويذكر الأستاذ حسني جرار أن إميل الغوري هو «أحد أعلام الفكر والسياسة والصحافة في فلسطين، ومن رجال الحركة العربية الحديثة، وكان له مساهمات واضحة في العمل الوطني، فقد مثل فلسطين في مؤتمرات عديدة، كما كان له نشاط فكري بارز» . "5"

الميلاد والنشأة:

وُلد إميل الغوري في مدينة القدس عام 1907م وأتم دراسته الأولية في مدارسها الابتدائية، والثانوية في مدرسة «المطران» في القدس، وتخرج منها عام 1922م وحصل على شهادتها الثانوية ."6"

وقد حمله مرض والده والالتزامات العائلية على العمل في مكتب شركة «كوك للسياحة» بالقدس، وأمضى فيه سبعة أعوام.

وخلال هذه الفترة انطلق إلى الحياة العمليّة، وساهم بالعمل الوطنيّ إلى جانب الشباب المقدسيين وفي طليعتهم مفتي القدس الحاج محمد أمين الحسيني.

وفي كتابه «فلسطين عبـر عشرين عامًا» يذكر الغوري أن اسم الحاج أمين الحسيني "7" طرق مسامعه لأول مرة وهو في الثانية عشرة من عمره في مجالس والده عندما ذكر اسمه من بين أسماء شباب القدس الذين أسَّسوا جماعةً وطنية أسموها كتلة الشباب الوطني، ثمَّ أسَّسوا «النادي العربي»"8" لممارسة نشاطاتهم الوطنية ضد الإنكليز وانتخبوا أمين الحسيني رئيسًا له، وتعاظم إعجاب الغوري بالحسيني عندما سمع والده يتحدَّث بحماس عن دوره ودور رفاقه من شباب «النادي العربي» في الدعوة للمؤتمر العربي الفلسطيني الأول في عام 1919م برئاسة موسى كاظم الحسيني الذي أعلن رفضه لـ(وعد بلفور) وزير خارجية بريطانيا لليهود بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين، ورفض الهجرة اليهودية التي كانت تشجعها سلطات الحكم البريطاني إلى فلسطين، وطالب باستقلال فلسطين ضمن وحدة بلاد الشام.

ويصف إميل الغوري مشاعره نحو الحاج أمين الحسيني في الجزء الأول من كتابه «فلسطين في ستين عامًا» بقوله: «لم تكن لي أية معرفة بالحاج أمين الحسيني، ولكن الشوق لرؤيته والتعرف عليه استبدَّا بي، وكنت أتخيَّله رجلاً متقدمًا في السن». ويذكر الغوري أنه دُهش عندما وقعت عيناه لأول مرة في حياته على الحاج أمين الحسيني في مباراة بكرة القدم بين فريق كلية «روضة المعارف» وفريق «المطران» في أحد أيام شهر كانون الأول (ديسمبر) من عام 1919م ليرى شابًا جميل الطلعة، يلبس البدلة الإفرنجية، ويعتمر الطربوش».

وازداد إعجاب الغوري بالحسيني بعد أن اعتقله الإنكليز إثر الاضطرابات الدامية التي حدثت بين عرب القدس المسلمين والمسيحييـن وبين الإنكليز واليهود في «موسم النبي موسى» في 4 نيسان (إبريل) 1920م.

ويروي الغوري أن الفرح غمره عندما هاجم شباب القدس القوة البريطانية التي كانت تقود الحاج أمين الحسيني إلى السجن واستطاعوا تخليصه من الإنكليز وتهريبه إلى الكرك ثم إلى دمشق، فحكمت محكمة عسكرية بريطانية غيابيًا بسجنه لمدة خمسة عشر عامًا ."9"

ويحدثنا الغوري كيف انخرط بحماس مع العديد من طلاب مدرسة «المطران» في الحملة الانتخابية للحاج أمين الحسيني للتنافس على منصب مفتي القدس بعد وفاة شقيقه المفتي السابق كامل الحسيني، وكان الحاج أمين قد عاد إلى القدس بعد أن ألغى الإنكليز الحكم الصادر بسجنه، وزاد من حماس إميل الغوري ورفاقه من شباب القدس من مسلمين ومسيحيين ما تردَّد عن محاولات الإنكليز لإسقاط الحاج أمين الحسيني في الانتخابات لصالح مرشح دفعوا به للترشيح ضد الحاج أمين.

ويضيف الغوري أنه أثناء الحملة الانتخابية شاهد الحاج أمين الحسيني لأول مرة وهو يرتدي العمامة والجبة ويصف منظره بلباسه الجديد بأنه كان مهيبًا يدعو إلى الاحترام.

وعندما نجح الحاج أمين في الانتخابات تلكأ الإنكليز في إعلان النتيجة، فهاج عرب القدس وماجوا احتجاجًا على تأخير إعلان فوزه بمنصب مفتي القدس، ويذكر الغوري أن زعماء الطوائف المسيحية في القدس عقدوا اجتماعًا في منزل والده أنضوني الغوري، ويذكر أنهم وقعوا على عريضة حملها عدد من زعمائهم إلى المندوب السامي البريطاني يطالبون فيها بالإعلان فورًا عن فوز الحاج أمين الحسيني بمنصب مفتي القدس، مؤكِّدين بأنهم لن يرضوا بغيره مفتيا للقدس.

ويذكر الباحث الأستاذ زياد أبو غنيمة أن «ثورة عرب سورية ضد المستعمرين الفرنسيين بقيادة سلطان باشا الأطرش (1924- 1925م) جاءت لتقرِّب إميل الغوري من الحاج أمين الحسيني، فحين شكَّل الحاج أمين الحسيني لجنة مركزية في القدس من عدد من رجالات فلسطين ورجالات سورية الذين لجأوا إلى فلسطين لجمع التبرعات لدعم الثورة السورية، سارع الغوري ليتطوَّع في إحدى اللجان الفرعية للتبرعات، وكان في هذه الأثناء يلتقي بالحاج أمين الحسيني رئيس اللجنة المركزية عرضًا دون أن تسنح له فرصة الاحتكاك المباشر به» ."10

في عام 1924م انتسب إميل إلى «النادي العربيّ» بالقدس، وفي هذا العام جرت انتخابات النادي بعد تغيير اسمه إلى «النادي العربيّ الأرثوذكسيّ»، ففاز برئاسته الدكتور فوتي فريج. وانتُخِب الشاب إميل الغوري عضوًا وسكرتيرًا للنادي، فكان بحكم منصبه كسكرتير لـ«النادي الأرثوذكسي» يتَّصل مباشرة بالحاج أمين الحسيني ليطلعه على نشاطات النادي الذي كان جزءًا من الحركة الوطنية الفلسطينية التي كانت بدورها تدين بالزعامة للحاج أمين الحسيني، ويروي إميل الغوري أن تعلق المسيحيين بالحاج أمين الحسيني لم يكن يقلُّ عن تعلق المسلمين به.

وفي عام 1929م قصد الولايات المتحدة طلبًا للعلم، والتحق بجامعة «سنسناتي» بولاية «أوهايو»، وتخرج منها بدرجة «الماجيستير» عام 1933م في العلوم السياسية، وكان قبل ذلك قد حصل على «بكالوريوس» في (تاريخ الشرق الأوسط والقرون الوسطى).

وخلال وجوده في الولايات المتحدة دخل في مناظرات سياسية مع عناصر أميركية وصهيونية دفاعًا عن قضية فلسطين.

وأثناء دراسته الجامعية في أميركا ( 1929-1933م ) انقطع الاتصال المباشر بين الغوري والحاج أمين الحسيني، وعندما عاد إلى القدس بعد حصوله على شهادة الماجستير في العلوم السياسية وجد أن الحاج أمين الحسيني الذي أحبه كثيرًا كان في جولة من أجل القضية الفلسطينية خارج فلسطين، وما إن علم بعودتــه في أواخر شهر تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1933م حتى كان في مقدمة مستقبليه عند وصوله إلى باب العمود قادمًا من أريحا، ويذكر الغوري أن الحاج أمين لمحه بين المستقبلين، ولم يكن قد رآه منذ أن غادر إلى أميركا فأومأ إليه للحضور إليه فشقَّ طريقه بصعوبة بين الجماهير فلما وصل إليه عانقه وهنأه بما أحرزه من نجاح في دراسته الجامعية.

ومنذ عودته إلى فلسطين، انبرى الغوري لدفع عوادي السياسة عن وطنه، وعرضت عليه السلطات البريطانية وظائف عالية في حكومة الاحتلال، لكنه آثر العمل الحر، فاختار الصحافة مسرحًا لجهاده، فعمل دفاعًا عن قضية بلاده، على نشر صحف حرة تنشر ما تتعرض له فلسطين من تآمر بريطاني، غربي ـ صهيوني، فكان أن أصدر عام 1933م جريدة يومية باسم «الوحدة العربية» "Arab Federation "11أغلقتها السلطات البريطانيّة بعد تسعة أشهر من تاريخ صدورها.

وفي العام نفسه، انتُخِب عضوًا في اللجنة التنفيذيّة للمؤتمر الفلسطينيّ السابع، فأسهم في الحركة الوطنيّة وفي أعمال الجهاد الفلسطينيّ، فاعتقلته سلطات الاحتلال البريطانيّ لفترة وجيزة.

التحق عام 1934م بـ«معهد الحقوق الفلسطيني» ونال دبلوم الحقوق، وأُجيز كمحامٍ، لكنه لم يزاول المحاماة وانصرف إلى السياسة وخدمة بلاده عن طريق الصحافة.

أصدر عام 1935م جريدة «الشباب»"12" ، ولكن المسؤولين البريطانيين عمدوا إلى إغلاقها بعد إغلاق جريدة «الوحدة العربية» وتمت مصادرة المطبعة، التي كانت على ملك الأستاذ الغوري ."13"

وفي نفس العام انتُخِب سكرتيرًا عامًا لـ«الحزب العربي الفلسطيني» "14"، لدى تأسيسه، وظل شاغلاً لهذا المنصب حتى نهاية الحكم البريطاني.

وعن هذه الفترة الحرجة من تاريخ شعبنا الفلسطيني يذكر إميل الغوري، أن مفتي القدس الحاج محمد أمين الحسيني «دعا في صيف 1935م، كافة القوى المناضلة التي كانت تعمل بسرية، وطلب منهم توحيد جهودهم مع جهوده التنظيمية السرية التي كان يعدها هو أيضًا، وقد كان نتيجة هذا التوحيد، تشكيل «منظمة الجهاد المقدس»"15" برعاية الحاج أمين وتحت إشرافه» . "16"






مفتي القدس الحاج محمد أمين الحسيني والمناضل إميل الغوري

ويضيف الغوري قائلاً: «أنه لما تشكلت اللجنة العربيّة العليا لفلسطين في نيسان (إبريل) 1936م برئاسة الحاج أمين، تبنت اللجنة «منظمة الجهاد المقدس»، فأصبحت بمثابة جهازها العسكري، حيث أسند الحاج أمين قيادتها لعبد القادر الحسيني» . "17"

ويروي إميل أن «اللجنة العربيّة العليا» اتخذت أخطر قرار لها في 6/5/1936م بإعلان الثورة ضد الإنكليز واليهود في سائر أنحاء فلسطين، وأزعج هذا القرار الإنكليز واليهود فطفقوا يُعـدُّون العدَّة لإجهاض الثورة التي تتهدّد الوجود الإنكليزي واليهودي معًا في فلسطين، فأصدر الإنكليز مذكرات اعتقال بحق الناشطين في الحقل الوطني.

ويذكر الغوري أنه بينما كان خوري الطائفة يقوم بمراسم زواجه في حيفا فوجئ بصديقه أحمد الإمام يقترب منه وهو بين يدي الخوري ويهمس في أذنه برسالة من الحاج أمين الحسيني يعلمه فيها بأن الإنكليز أصدروا أمرًا باعتقاله ويطلب منه عدم تمكينهم من القبض عليه، ويروي أنه تنفيذًا لأوامر الحاج أمين لجأ مع عروسه إلى مصر مستقلاً القطار من حيفا إلى القاهرة عبر رفح بعد الانتهاء من عقد قرانه، وفي اليوم التالي لوصوله تلقى تعليمات من الحاج أمين الحسيني للقيام بنشاطات معينة في القاهرة من أجل قضية فلسطين.

وبعد إعلان الإضراب الفلسطينيّ العام ونشوب الثورة العارمة عام 1936م قرر الحاج الحسيني أن يكون الغوري عضوًا في الوفد الفلسطينيّ، الذي سيقصد لندن مع السادة (جمال الحسيني وشبلي الجمل والدكتور عزة طنُّوس) لشرح أبعاد القضيّة الفلسطينيّة، ووجهة النظر الفلسطينية.

ويذكر الغوري أنه بعد عودته من لندن إلى القدس فوجئ ذات مساء بالحاج أمين الحسيني يزوره في منزله، ويختلي به في غرفة من غرف البيت ليبلغه أن استخبارات الحركة الوطنية اكتشفت مؤامرة إنجليزية يهودية يشارك فيها بعض العملاء الخونة تهدف إلى اغتياله مع عدد من نشطاء الحركة الوطنية من الشباب المسيحي، منهم ألفريد روك من يافا ويوسف الصالح من غزة وفؤاد سابا وعزة طنُّوس من القدس لاتهام المسلمين بقتلهم لإثارة فتنة طائفية بين المسلمين والمسيحيين في فلسطين، وطلب المفتي من إميل الغوري أن يأخذ حذره وترك عنده شابين من شباب الحركة الوطنية لحمايته ."18"

وقد كان الحاج أمين الحسيني يحرص على مشاركة إميل الغوري في الوفود التي تنتدبها الحركة الوطنية الفلسطينية للدعاية لقضية فلسطين في أنحاء العالم لما يعرفه من صدق وطنيته وإخلاصه ولإتقانه للغة الإنكليزية بسبب دراسته الجامعية في أميركا، فانتدبته «اللجنة العربيّة العليا» في فلسطين عام 1937م عضوًا في وفدها إلى جنيف للدفاع عن القضيّة الفلسطينيّة أمام «عصبة الأمم المتحدة»، ثمّ في لندن.

وفي العام نفسه انتدبته «اللجنة العربيّة العليا» لتأسيس «المكتب العربيّ الفلسطينيّ للدعاية والإعلام» في لندن، وكان أول مكتب عربي أنشئ للدعاية في الخارج، وقد ظل الأستاذ الغوري يدير شؤون هذا المكتب إلى إن استدعته «اللجنة العربية العليا»، فعاد إلى بيت المقدس.

ويذكر الأستاذ المرحوم يعقوب العودات أنه خلال هذه الفترة «بارح الغوري فلسطين صيف عام 1937م مع الوطني المؤمن الخوري نقولا الخوري (أحد كهنة الطائفة الأرثوذكسية في القدس) كوفد فلسطيني منتدب من اللجنة العربية العليا لزيارة تركيا واليونان ورومانيا وبلغاريا والصرب لشرح القضية الفلسطينية في الأوساط الأرثوذكسية بالبلقان، ولمقاومة مشروع التقسيم الذي اقترحته لجنة اللورد (بيل) الملكية. وبعد أن أنجز مهمته مع الخوري نقولا عاد إلى بيت المقدس» ."19"

ويضيف العودات أنه: في عام 1938م مثّل الغوري «اللجنة العربيّة العليا» في المؤتمر البرلمانيّ المنعقد في القاهرة. وزار الولايات المتحدة عام 1939م مع رفيقه الأستاذ محمد جميل بيهم (من الشخصيات الوطنية اللبنانية البارزة) لشرح القضية الفلسطينية (اليتيمة). وعندما أراد العودة إلى فلسطين حالت السلطات البريطانية دون أمنيته... فهبط مصر وظل فيها مدة أربع سنوات يصرف أعمال مكتب الدعاية والنشر الذي أسسته اللجنة العربية العليا.

في شهر آب من عام 1943م إلى فلسطين بعد إلغاء أمر اعتقاله وسمح له بالرجوع إلى وطنه، وسرعان ما استأنف نشاطه السياسي، بالرغم من ظروف الحرب العالمية الثانية القائمة، حيث بدأ مع رفاقه في الحركة الوطنية في إعادة تنظيم الحركة، وتولى «الحزب العربيّ الفلسطيني» الذي أعاد تشكيل قيادته في 8 نيسان (إبريل) 1944م إطلاق حملة المطالبة بعودة الحاج أمين الحسيني، وكان إميل الغوري قد اختير سكرتيرًا عاما للحزب في القيادة الجديدة، ونظم الحزب اجتماعًا حاشدًا في ملعب الاتحاد النسائي العربي في القدس في 21/آذار (مارس) 1945م شارك فيه حوالي (2500) شخصية وطنية من كافة أنحاء فلسطين، وخُصِّص الاجتماع للمطالبة بعودة الحاج أمين الحسيني ورفاقه المبعدين إلى فلسطين.

وكان الغوري أحد خطباء الاجتماع، وفي 29 نيسان (إبريل) 1945م شكل الحزب وفدًا كان الغوري أحد أعضائه لمقابلة المندوب السامي البريطاني في فلسطين للمطالبة بعودة الحاج أمين ورفاقه الذين كانوا آنذاك في ألمانيا التي سقطت في يد الحلفاء، وتبين أن الفرنسيين الذين شاركوا في اقتحام برلين ألقوا القبض عليه وعلى رفاقه ونقلوهم إلى سجن «باري ميدي» في باريس، ولكن المفتي تمكن من الهرب من معتقله بصورة سرية أذهلت الفرنسيين الذين فاجأهم نبأ وصوله إلى القاهرة في شهر حزيران (يونيو) من عام 1946م مما زاد في حماس الجماهير الفلسطينية للمطالبة بعودته إلى فلسطين.

وقد ظل «الحزب العربيّ الفلسطيني» يزاول نشاطه حتى عام 1946م عند تشكيل «الهيئة العربيّة العليا لفلسطين».

وكان أن تولى الغوري في عام 1945م رئاسة تحرير جريدة «الوحدة» المقدسية"20" ، لأصحابها اسحق عبد السلام الحسيني وعمر الحسيني وإميل الغوري» ."21"

وفي 12 حزيران (يونيو) 1946م عقد مجلس الجامعة العربية دورة استثنائية في مصيف (بلودان) في سورية، وأقرَّ اعتماد «اللجنة العربية العليا» لفلسطين بعد تغيير اسمها إلى «الهيئة العربيّة العليا» لفلسطين ممثلة للشعب الفلسطيني وناطقة باسمه، وتم اختيار الحاج أمين الحسيني رئيسًا لها، وانتُخِب الغوري عضوًا في قيادتها.

وفي عام 1947م كان الغوري من ممثّلي «الهيئة العليا» إلى مؤتمر «المائدة المستديرة» المنعقِد في لندن، وانتدبته الهيئة سكرتيرًا لوفدها إلى الأمم المتّحدة لحضور دورتها الاستثنائيّة في أيّار (مايو) 1947م، وكان هذا الوفد هو (الوفد العربيّ الفلسطينيّ الأول إلى الأمم المتحدة).

وبعد صدور قرار التقسيم عام 1947م شارك في حركة الجهاد والثورة وفي قيادة المناضلين العرب في منطقة القدس في نيسان (إبريل) 1948م، اثر استشهاد القائد المجاهد عبد القادر الحسيني في معركة القسطل يوم الأربعاء الواقع في الثامن من نيسان (إبريل) 1948م.

وبعد النكبة عام 1948م انتُخِب الغوري سكرتيرًا عامًا لـ«المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ» المنعقد في مدينة غزّة، وهو المجلس الذي أعلن قيام «حكومة عموم فلسطين» ."22"

وفي عام 1949م اختارته «الهيئة العربيّة العليا» سكرتيرًا لوفدها إلى الأمم المتحدة، والى دول أمريكا اللاتينية عام 1950م.

وبعد فراغه من أداء المهمة التي أنيطت به انتدبته «الهيئة العربيّة العليا» قائمًا بأعمالها في بيروت، فأصبح ممثّلاً رسميًا للهيئة ما بين عامي (1950-1952م) عندما جرت محاولة لاغتياله، فنجا منها بأعجوبة. "23"

ثمّ انتقل إلى مصر كرئيسٍ لـ«دائرة الدعاية»، ورئيسٍ لـ«الدائرة السياسيّة» حتّى عام 1966م، فمثّل فلسطين في عدّة مؤتمرات في المحافل الدولية، من ذلك في عام 1955م كان عضوًا في الوفد الفلسطيني إلى مؤتمر «باندونج».

وفي عام 1961م كان مندوبًا لفلسطين في مؤتمر «الدول غير المنحازة» المنعقد في بلغراد. وكان رئيسًا للوفد الفلسطيني لدى الأمم المتحدة منذ عام 1960م وحتى عام 1968م.

وقد كان الغوري يدلي ببيانات عن قضية فلسطين أمام اللجنة السياسية الخاصة التابعة للجمعية العمومية للأمم المتحدة في كل دورة من دوراتها التي عقدت خلال تلك الفترة.

وبعد هجرة قسرّية فرضت عليه واستمرت (17 عامًا) عاد إميل الغوري إلى القدس عام 1965م، وأقام فيها وأعيد تسجيله في لائحة المحامين الأردنيين المخولين ممارسة المحاماة.

وفي عام 1966م انتخب بالتزكية نائبًا عن القدس ومنطقتها في مجلس النوّاب الأردنيّ.

عام 1969م عُيّن وزيرًا للشؤون الاجتماعيّة والعمل في الحكومة الأردنيّة. وفي السادس من آذار/ مارس عام 1971م عُيّن وزير دولةٍ لشؤون رئاسة الوزراء.
توفي إميل الغوري عام 1984م.







المناضل اميل الغوري
دورٌ بارز للنخبة المسيحيّة الفلسطينيّة:

منذ فتح الغوري عينه على الظلامات التي أنزلها المستعمر البريطاني والحركة الصهيونية بأبناء فلسطين، وهو يراقب بدأب واهتمام تلك السياسة الجائرة التي انتهجتها بريطانيا، ويشجبها بلسانه وقلمه.

وقد كان من خلال فكره وممارساته واحدًا من أبناء فلسطين الذين ساهموا في إيصال الوعي المسيحيّ الفلسطينيّ والعربيّ والمشرقيّ إلى هذا المستوى من الرقي في فهم طبيعة الصراع الدائر على أرض فلسطين مع الحركة الصهيونية العنصرية، واستيعاب جذر الصراع مع الغرب الاستعماري، وبيان خطورة المؤامرات اليهودية الغربية على مصير الشعب الفلسطيني وعلى مستقبل قضيته الوطنية، والتي هي ليست قضية سياسية فحسب، بل هي قضية يدمَّر فيها الإنسان.

ولقد أكد الغوري في المحافل الدولية، في أكثر من مناسبة، أن ما تدعيه (إسرائيل) أمام العالم، من أكاذيب وتأويل صهيوني للكتاب المقدس في الوسط المسيحيّ الغربيّ، إنما يهدف إلى طمس حقيقة الصراع، وإضفاء شرعية دينية على الظلم الذي لحق ومازال يلحق بالشعب الفلسطيني، مبينًا بأن صلتنا بأرضنا هي حق طبيعي، وأنه ليس قضية «إيديولوجية» أو «لاهوتية» بقدر ما هو قضية حياة أو موت بالنسبة لشعبنا. وأن استخدام الكتاب المقدس لتبرير أو لتأييد مواقف سياسية فيها ظلمٌ يرتكبه إنسان أو شعب بحق إنسان أو شعب آخر، من شأنه أن يحوِّل الدين إلى «إيديولوجية بشرية»، تجرد كلمة الله من قدسيتها وحقيقتها.

وكان يعلن بكل اعتزاز تمسك المسيحيين والكنائس الفلسطينية بالهوية الفلسطينية الوطنية والقومية العربية على تنوع عقائدها، ذلك أن مسيحيو الشرق هم جزء من نسيج ومن هوية ومن ثقافة المنطقة، بحيث يغدو واضحًا بأن الغرب عبر إرسالياته التبشيرية التي رافقت حركة الاستعمار، قد فشل في تغريب تلك الكنائس، وفي دفعها نحو «الكوسموبولوتية» "24" رغم ما ألحقه من أضرار بالوجود المسيحيّ في هذه المنطقة.

وقد كان الغوري يؤكد أيضًا باسم المسيحيين الفلسطينيين والعرب من أبناء المنطقة، بأن المسلمين في هذه الديار هم ليسوا دعاة قتال وتطرف وعنف كما يجري تصويرهم، بل هم دعاة سلامٍ وعنوان حوار.

مشددًا في كل خطبه على أن مقاومة الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني هو حق وواجب.

والحقيقة أنه منذ بداية العصف الذهني الصهيوني وعلى رأس حربته زيف دولة (ثيودور هرتسل)"25" وزور (وعد بلفور)، بل وقبل ذلك وقف الفلسطينيون المسيحيون في طلائع سرايا الرفض للغدر والخديعة والتزوير والاحتلال.

وقد كتب المرحوم عجاج نويهض "26" عن رفض أهل فلسطين وقياداتها للطائفية، يقول: «الوطنية العربية في فلسطين لم تعرف الطائفية في يوم من أيامها… ولم يكن الإنكليز والصهاينة على جانب من حسن النية بحيث أنهم حاولوا الإفساد من هذه النافذة… لقد حاولوا مرارًا وفشلوا في كل مرة ، فكان الأرثوذكس جملة وتفصيلاً واللاتين والاكليروس العربي في دير الروم ومطرانية الروم الكاثوليك وكذلك البروتستانت كالأرمن… كل هذه الاتجاهات والطوائف والمدارس والقوى المسيحية كانت منسجمة ومتحدة مع المؤسسات والتنظيمات والمجالس الإسلامية في فلسطين، عبر نضالهم المشترك وتأكيدهم أن فلسطين عربية من البحر إلى النهر وأنها الجزء الجنوبي من بلاد الشام وأنها مكون أساسي من سوريا الكبرى وإنها وقف ذري وجريمة كبرى أن يتصرف بها…» . "27"

ولأننا لسنا هنا في معرض حصر لكل القيادات الفكرية الوطنية من النصارى الفلسطينين الرواد فإننا نكتفي بذكر بعض الأسماء من الشخصيات التي كان لها مواقف وطنية ثابتة من قضية العرب الكبرى… قضية فلسطين: (بولس شحادة، والمطران جبرائيل أبو سعدى، القس صالح سابا، القس عقل إبراهيم عقل، وتوفيق بشارة كنعان، وخليل إبراهيم بيدس، وأبناء آل العيسى (حنا وجريس وسعيد وعيس داوود ويوسف وإلياس ورجا)، وعزت طنوس، وفؤاد نصار، وتوفيق زيّاد، وإميل حبيبي، والأب إبراهيم عياد ، والشهيد كمال ناصر، وادوارد سعيد، وجورج حبش، والبطريرك ميشيل صباح، والصياغ الأربعة (فايز وأنيس وتوفيق ويوسف).. وغيرهم الكثير).









المناضل اميل الغوري
من آثاره القلمية:

ترك لنا المناضل الراحل إميل الغوري تراثًا فكريًّا حافلاً، ضمنه فكره واتجاهاته وتجاربه النضالية، من مؤلّفاته:
1.المؤامرات الكبرى واغتيال فلسطين، دار المعارف، القاهرة، 1955م.
2.حركة القومية العربية، صدر عام 1956م.
3.حركة القومية العربية ومعركة القناة، صدر عام 1957م.
4.الصراع بين القومية العربية والاستعمار، صدر عام 1957م.
5.الحكومات البرلمانية، ترجمة، صدر عام 1958م.
6. 15أيار – صدر عام 1959م.
7.فلسطين – صدر عام 1961م.
8.المعذّبون في أرض العرب، صدر عام 1961م.
9.قضية فلسطين : بيان الوفد العربي الفلسطيني أمام اللجنة السياسية الخاصة، صدر عام 1961م.
10.الكيان الفلسطيني، صدر عام 1964م.
11.ملحمة الفداء الفلسطيني ضد الاستعمار والصهيونية من (1918-1948)، صدر عام 1968م.
12.ثأر أو عار - أناشيد وطنية، صدر عام 1969م.
13.دور التبشير في خدمة الاستعمار والصهيونية، صدر عام 1970م.
14.فلسطين عبر ستين عامًا (جزءان) دار النهار، بيروت، ج1/¬ 1972، ج2/ 1974م.
15.الشقيري في الميزان، طبع مؤسسة الرسالة، د.ت.
16.قضية فلسطين في الأمم المتحدة، د.ت.
17.صيحة رائدة على درب التحرير، د.ت.
18.جون ستيوارت مل، الحكومات البرلمانية، ترجمة ، دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر، دمشق، د.ت.

نموذج من نثره:

تقف الأمة العربية اليوم أمام عهد جديد، ودور مجيد من أدوار الجهاد الفلسطيني العتيد، يستأنفه بصدق ويرفع لواءه بيقين، أبطال ميامين من الفدائيين الفلسطينيين الصادقين، وإخوان لهم من العرب انضموا إلى قوافل الفداء ينشدون الاستشهاد على ثرى فلسطين، ويسطرون جميعًا في الأرض الفلسطينية المحتلة وفي القدس زهرة المدائن، صفحات جديدة من المجد والتضحية، ويضيفونها دامية قانية إلى سجل تاريخ الجهاد الفلسطيني الخالد بمقاومتهم الباسلة الضارية للاحتلال اليهودي الغاشم وبصمودهم الرائع في وجه الظلم والعدوان.
إن الأعمال الباهرة التي يقوم بها الفدائيون، والبطولة النادرة التي يظهرها أبناؤنا الذين يضعون أرواحهم على أكفهم في سبيل إنقاذ فلسطين وتحريرها وصمود قومنا في المناطق التي ترزح تحت نير الاحتلال اليهودي الغاشم، تشكل فصولاً جديدة في قصة كفاح طويل ونضال عظيم، وتعيد إلى الذاكرة والأذهان، بل يجب أن تعيد إليها، صفحات ناصعة من الجهاد والفداء زانت تاريخ فلسطين والعرب، وبيضت صفحاته من الجهاد بوقائع البطولة، وسير من الشجاعة ومسالك من التضحية، قصة خالدة تبدأ فصولها الأولى القانية منذ عام 1918م ولا تنتهي بإذن الله إلا بعد بلوغ الأهداف المنشودة ونيل الأماني الغالية» ."28"

الهوامش:

1- تٌعتبر الرعية العربية الأرثوذكسية في بلاد الشام عامة وفي فلسطين والأردن خاصة، الأكثر عددًا بين العرب المسيحيين، فقد كانت في وقت ما تٌشكل أكثر من 99% من العرب المسيحيين الذين تعود أصولهم إلى الغساسنة والمناذرة والتغالبة في الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق وهم عرب أقحاح.
بالنسبة للأردن وفلسطين، فقد ابتدأت الكنيسة المقدسية على يد الأسقف (يعقوب الرسول) ابن (يوسف النجار) الذي استشهد في العام 62م على يد اليهود وخلفه شقيقه (سمعان) الذي اسُتٌشهد أيضًا على يد اليهود، وتعاقب على رئاسة أسقفية القدس والأراضي المقدسة (التي تحولت لاحقًا إلى بطريركية) العشرات من الأساقفة والبطاركة غالبيتهم الساحقة كانت من العرب أهل البلاد، ونذكر منهم البطريرك (إيليا النجدي) الذي رأس الكرسي البطريركي عام 494م والبطريرك (صفرونيوس) الدمشقي الذي رأس الكرسي البطريركي عام 634م الذي استقبل الخليفة عمر بن الخطاب، والبطريرك (يوحنا) الذي رأس الكرسي البطريركي عام 705م والذي منع الصلاة في الكنائس بأي لغة غير العربية. هذا بالإضافة إلى كل من البطريرك (إيليا) الثاني عام 750م والبطريرك (الطبيب توما) عام 786م والبطريرك المقدسي (إيليا) عام 868م والبطريرك من قيسارية (أغانيوس) عام 983م والبطريرك (مرقص) عام 1174م والبطريرك (يواكيم) عام 1431م والبطريرك (مرقص الثالث) عام 1501م وأخيرًا البطريرك (عطالله) الذي رٌسم بطريركًّا عربيًّا عام 1516م وكلهم عرب.(أنظر مقال: م إميل الغوري، مقالة: «تاريخ القضية الأورثوذكسية في فلسطين..نضال مُستمر منذ 500 عام»، نقلاً عن موقع «زبدل»، (http://www.zaidal.com)، تاريخ النشر: 17/12 2009م.).
2- زياد أبو غنيمة، مقالة بعنوان: «صفحات متناثرة من مفكرة الوطـن»، جريدة «الدستور» الأردنية، تاريخ النشر: 25 شباط (فبراير) 2010م.
3- اللجنة العربية العليا: تكونت هذه اللجنة في نيسان (إبريل) 1936م إثر اندلاع الإضراب العام والعصيان المدني الذي دعت إليه «اللجان القومية»، التي تشكلت بشكل عفوي بعد أحداث 15-20 نيسان (إبريل) 1936م والتي سبقت الإعلان عن الإضراب العام. ولم تنجح القيادات السياسية الفلسطينية التقليدية في تشكيل الوحدة والعمل سوية لقيادة الإضراب إلا بعد ضغط شعبي كبير، عندها فقط عمدت إلى تشكيل «اللجنة العربية العليا» التي تكونت من ممثلي الأحزاب السياسية الستة التي كانت قائمة آنذاك(الحزب العربي الفلسطيني، حزب الدفاع الوطني، حزب الاستقلال العربي، حزب الإصلاح، حزب الكتلة الوطنية وحزب مؤتمر الشباب العربي)، مع ضمان مقعدين واحد للمسحيين الغربيين وواحد للطوائف المسيحية الشرقية، في حين أسند منصب الرئاسة للمفتي ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى الحاج محمد أمين الحسيني. في الأول من تشرين الثاني 1937 وعلى أثر مقتل الجنرال (أندروز)، الحاكم البريطاني للواء الجليل، قامت بريطانيا بإخراج هذه اللجنة خارج القانون واعتقال معظم أعضائها ونفيهم إلى جزيرة «سيشل»، في حين بقي المفتي يحمل اسم رئيس «اللجنة العربية العليا»، وهو في المنفى، حتى تأسيس«الهيئة العربية العليا»، التي حلت مكان «اللجنة العليا».
4- الهيئة العربية العليا: مؤسسة سياسية فلسطينية حلت محل «اللجنة العربية العليا» وذلك بقرار من مؤتمر الجامعة العربية المنعقد في (بلودان) في 12 حزيران (يونيو) 1946م بعد فشل الفلسطينيين في الاتفاق علي تشكيل هيئة عامة ممثلة لهم. وقد شكلت في البداية من الحاج أمين الحسيني رئيسًا، وجمال الحسيني نائبًا للرئيس، وكل من أحمد حلمي عبد الباقي، إميل الغوري والدكتور حسين فخري الخالدي، أعضاء. ثم انضم فيها بعد رجال حزب الاستقلال، محمد عزة دروزة ومعين الماضي، إضافة إلى الشيخ حسن أبو السعود، إسحق درويش ورفيق التميمي. وقد استقال فيما بعد دروزة والماضي، احتجاجًا منهما على انفراد المفتي بإدارة أمور الهيئة. حاولت الهيئة قيادة الشعب الفلسطيني أثناء حرب ونكبة 1948م فقامت بتجنيد المتطوعين وتولي أمور تدريبهم وتسليحهم. بعد عام النكبة 1948م اهتمت الهيئة بأمور اللاجئين الفلسطينيين في الشتات.
5- حسني جرار، مقالة بعنوان: «من أعلام الفكر والسياسة في فلسطين: إميل الغوري (1325 ـ 1404 هـ) (1907 ـ 1984 م)»، نقلاً عن موقع «رابطة أدباء الشام»: (www.odabasham.net)، د.ت.
6- مدرسة المطران: هي مدرسة (سان جورج) في مدينة القدس، وقد اشتهرت شعبيًا باسم «مدرسة المطران»، نسبة إلى المطران الثاني (صموئيل غوبات)، وهو أحد المطارنة الإنكليز للتبشير الإنجيلي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكان قد عُيّن عام 1846م.
7- لمزيد من الملومات حول سماحة مفتي القدس المرحوم محمد أمين الحسيني ينظر مقالنا: «رواد مقدسيون: الحاج محمد أمين الحسيني (1895-1974م).. من رواد الحركة الوطنية الفلسطينية؛ رجل في أمة خلق ومعه رسالة». المنشور في موقع مؤسسة القدس للثقافة والتراث: (http://alqudslana.com)، بتاريخ:9/4/2012م.
8-النادي العربي: كانت حركة إنشاء النوادي والجمعيات العربية في فلسطين مظهرًا من مظاهر النشاط السياسي والثقافي الذي شهدته فلسطين بين سنتي (1918 و1920م) ظاهرة من ظواهر الحركة الوطنية الفلسطينية وأداة من أدواتها.
تأسس النادي العربي في القدس أواخر شهر حزيران (يونيو) 1918م ليدافع عن استقلال الأمة ويسعى إلى تثبيت «روح الجد والنشاط في الأعمال بين أفراد الشعب في فلسطين» و«ليبثَّ روح العلوم العربية». ومن برنامجه «حفظ كيان البلاد من كل دعاية غاشمة». فالأمة «لا يمكن أن تحفظ استقلالها إلّا بسيف ماض ومال فيّاض وعلم يهذّب الأخلاق والنفوس». انتخب الحاج محمد أمين الحسيني رئيسًا للنادي. وكان من مؤسسيه نخبة من رجال الحركة الوطنية وضمّ أعضاء من الشباب العاملين بنشاط وحماسة في الحقل الوطني متآزرين مع الشيوخ والكهول من أعضاء الجمعيات الإسلامية المسيحية.
9- زياد أبو غنيمة، مقالة بعنوان: «صفحات متناثرة من مفكرة الوطـن»، مصدر سبق ذكره.
10- زياد أبو غنيمة، المصدر السابق.
11- جريدة «الوحدة العربية» [Arab Federation]: جريدة يومية سياسية، صدرت في القدس في 7/12/1933م باللغتين العربية والانكليزية، صاحبها ومحررها إميل الغوري، وقد توقفت بأمر السلطات البريطانية في 2/3/1936م، وسميت «اللواء» اعتبارًا من 31/8/1935م، لتصبح ناطقة بلسان (الحزب العربي الفلسطيني)، وصارت تصدر أسبوعيًا حتى تاريخ توقفها عن الصدور في 29/7/1947م.
12- جريدة الشباب: ذكرت بعض المصادر أنها صدرت على شكل (مجلة)، والصواب أنها صدرت عام 1935 في مدينة القدس كجريدة نصف أسبوعية، تبحث في المواضيع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، صاحبها ورئيس تحريرها إميل الغوري. على أثر إغلاق الحكومة لزميلتها السابقة «الوحدة العربية» وكان يحررها الأستاذ إميل الغوري وتنطق بلسان (الحزب العربي الفلسطيني) وكان موعد صدورها أسبوعيًا واستمرت في الصدور ستة شهور ثم توقفت بعد ذلك ولا نعرف الأسباب الحقيقية التي دعت إلى هذا التوقف.
13- حسين العودات ويسين الشكر، الموسوعة الصحفية العربية، الجزء الأول: (بلدان المشرق العربي: سورية ـ لبنان ـ فلسطين ـ الأردن)، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس ـ 1990م.
14- الحزب العربي الفلسطيني: تأسس في مدينة القدس في 24 نيسان (إبريل) 1935م، وهو حزب الحسينيين لمواجهة حزب (الدفاع) الذي أسسه آل النشاشيبي، ويعدُّ أقوى الأحزاب الفلسطينية وأكثرها نفوذًا لكنه لم يعمر طويلاً، إذ وافقت قيادته على وقف كل نشاطاته في 25 نيسان (إبريل) 1936م عندما تشكلت «اللجنة العربية العليا» برئاسة مفتي القدس الحاج محمد أمين الحسيني. وقد كان موقع نائب الرئيس فيه مرصودًا للوطني الفلسطيني ألفرد روك، فضلاً عن أن منصب سكرتير الحزب احتله خالد فرح، وهما مسيحيان أيضًا. وكان من أعضاء اللجنة التنفيذية للحزب ثلاثة مسيحيين هم: إميل الغوري ويوسف صهيون وحنا خليف. وبرز من بين كبار الفاعلين فيه والناشطين في أجهزته كل من اسكندر حبش وبترو طرزي ونقولا شاهين واسكندر الخوري وصبري خلف وحنا خلف ويعقوب برتقش وفؤاد عطا الله وحنا البطارسة وميشال عازر، وهؤلاء جميعهم مسيحيون كما هو ظاهر حتى من أسمائهم.
15-منظمة الجهاد المقدس: بعد أن تمادت بريطانيا في معاداتها للعرب، واستفحل الخطر اليهودي على فلسطين، وتنادى الشعب الفلسطيني بضرورة مواجهة المخططات الاستعمارية بصورة فعلية وعلنية... شكل القائد الفلسطيني البطل الشهيد عبد القادر الحسيني (1908-1948م) مع مجموعة من الشباب الوطني المتحمس تنظيمًا سريًا عسكريًا، يهدف إلى مقاومة السلطات البريطانية، وتحطيم المشروع اليهودي الصهيوني، حيث تم ترتيب أمور هذا التنظيم في آذار(مارس) 1934م، برئاسته، وأطلق عليه بعد ذلك اسم «منظمة المقاومة والجهاد»، واتسع ليشمل مناطق مختلفة من فلسطين، غطّت 17 فرعًا في مدن فلسطين، ووصل عدد أعضائه إلى نحو 400 شخص، كما أوجد التنظيم سبعة مراكز سرية للتدريب. وقد اصطبغ هذا التنظيم بالصبغة الوطنية، وشارك في عضويته العديد من النصارى، كان من أبرزهم إميل الغوري، وحنا خلف. 16- إميل الغوري، فلسطين عبر ستين عامًا، دار النهار، بيروت، 1972م.
17- إميل الغوري، المصدر السابق.
18- زياد أبو غنيمة، مقالة بعنوان: «صفحات متناثرة من مفكرة الوطـن»، مصدر سبق ذكره.
19- يعقوب العودات، من أعلام الفكر والأدب في فلسطين، جمعية عمال المطابع التعاونية، عمان ـ طبعة أولى: 1976م.
20-جريدة «الوحدة» المقدسية: تأسست في 5 حزيران عام 1945م في مدينة القدس. صدرت هذه الجريدة أسبوعية لمدة سنتين ثم أصبحت تصدر يومية وكانت هيئة التحرير فيها كما يلي: رئيس التحرير إسحاق عبد السلام الحسيني. مدير التحرير: خيري حماد. مدير الإدارة: عمر الحسيني. أما مدير سياستها فكان الأستاذ إميل الغوري. وتولى سكرتارية التحرير فيها المرحوم صبحي الطاهر الذي استشهد في حادث نسف فندق (سميرا ميس) في «القطمون» أثناء معارك القدس عام 1948م وقد استمرت في الصدور حتى فقدت مطابعها الموجودة في شارع الأميرة ماري بالجزء المحتل من القدس.
21- يعقوب العودات، من أعلام الفكر والأدب في فلسطين، مصدر سبق ذكره.
22- حكومة عموم فلسطين: في الأول من تشرين الأول (أكتوبر) عقد المؤتمر الوطني الفلسطيني في مدينة غزة، وقرر اعتبار نفسه هيئة تشريعية، وشكل حكومة برئاسة السيد أحمد حلمي عبد الباقي باشا عرفت باسم «حكومة عموم فلسطين». وعندما حاولت هذه الحكومة ممارسة صلاحياتها في قطاع غزة، تدخلت السلطات المصرية، فنقلت المفتي الحاج محمد أمين الحسيني بالقوة إلى القاهرة، وأجبرت عددًا من أعضاء المجلس الوطني على مغادرة غزة إلى القاهرة. ثم ما لبثت أن أكرهت رئيس وأعضاء «حكومة عموم فلسطين» على الانتقال إلى مصر. وبقيت الحكومة قائمة في مصر دون أن تستطيع القيام بأي من الأعمال المنوطة بها، لا سيما في الحقل السياسي. وفرضت السلطات المصرية حصارًا على دار «الهيئة العربية العليا» في القاهرة، ووضعت الحاج أمين تحت رقابة مُشدَّدة، حرمته من حرية العمل والتنقل. ومع الزمن، لم تعد «حكومة عموم فلسطين» غير هيئة شكلية ظلَّت تبعث بممثلين عنها لحضور اجتماعات الجامعة العربية.
23- يعقوب العودات، من أعلام الفكر والأدب في فلسطين، مصدر سبق ذكره.
24- الكوسموبولوتية: اللاقومية، مصطلح استعمله (كارل ماركس) و(فريدريك أنجلز)، لوصف حالة الشركات الاحتكارية، التي تلد من رحم المنافسة الرأسمالية، وقصد (ماركس) و(أنجلز) إستعمال هذا التعبير ليكون وصف أكثر دقة، لحالة اندماج بين شركات من عدة جنسيات، تبحث عن يد عاملة رخيصة ومواد أولية وفيرة، بحيث تفقد الشركات صبغتها القومية، ويصبح منتجها مصنعًا في أكثر من بلد، ورادف هذا المصطلح العديد من المصطلحات ففي أدبيات (فوكوياما) أطلق اسم «العولمة» على حالة فتح أسواق العالم، بشكل حر والقضاء على الصناعات القومية أما فقد (لينين) استعمل مصطلح «الامبريالية» في كتابه «الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية» ودرج في أدبيات الأحزاب اليسارية مصطلح «الشركات العابرة للقارات».
25- تيودور هيرتسل (1860 ـ 1904م): أبو الصهيونية السياسية، ومؤسس المنظمة الصهيونية العالمية. ولد في بِسْت بهنغاريا. درس الحقوق في فيينا. كتب عددًا من المسرحيات وعمل في الصحافة. عام 1896م أصدر بالألمانية كتابه «دولة اليهود ـ محاولة لحل حديث للقضية اليهودية». وفي ذلك العام صدرت ترجمات لهذا الكتاب بالعبرية والإنكليزية والفرنسية والروسية والرومانية. وفي ذلك العام أيضًا قام بسلسلة مقابلات لزعماء العديد من الدول، ومنها ألمانيا وتركيا، لإقناعهم بتأييد مشروعه. كما دعا إلى عقد مؤتمر صهيوني عالمي، وتحقق ذلك عام 1897م. وتبنى ذلك المؤتمر البرنامج الصهيوني المعروف ببرنامج (بازل). وتابع هيرتسل نشاطه بمقابلة زعماء الدول الأوروبية. وبتأييد من اللجنة الصهيونية التنفيذية قدم هيرتسل «اقتراح أوغندا» للمؤتمر الصهيوني السادس (1903م). لكن البرنامج لقي معارضة، خاصة من المندوبين عن يهود روسيا. وفي نهاية المؤتمر عاد وأكد على الاستيطان في فلسطين. وتابع نشاطه لدى زعماء أوروبا. توفي في النمسا عام 1904م.
26- عجاج نويهض (1896 ـ 1982): ولد بلبنان، التحق بالحركة القومية في دمشق إثر قيام الحكم العربي فيها. اختاره الحاج محمد أمين الحسيني سكرتيرًا للمجلس الإسلامي الأعلى ثم مساعدًا لمفتش المحاكم الشرعية عام 1932م ساهم في إنشاء حزب الاستقلال، وأنشأ مجلة «العرب» السياسية الأسبوعية (القدس، 1932 ـ 1934م). اعتقل أثناء ثورة 1936م.عمل مراقبًا للبرامج العربية في دار الإذاعة في القدس. وبعد عام 1948م عمل مساعدًا لرئيس الديوان الملكي الهاشمي (1949 ـ 1950م)، ثم مديرًا للإذاعة الأردنية، فمديرًا عامًا للمطبوعات والنشر عام 1959م، عاد إلى لبنان ونشر عددًا من الكتب، توفي في بيروت عام 1982م.
27- عجاج نويهض، رجال من فلسطين: ما بين بداية القرن حتى 1948م، منشورات فلسطين المحتلة، بيروت ـ طبعة أولى: 1981م.
28- يعقوب العودات، من أعلام الفكر والأدب في فلسطين، مصدر سبق ذكره.

أهم المصادر والمراجع:

الموسوعات والكتب:
1.أحمد خليل العقاد، تاريخ الصحافة العربية في فلسطين، دار العروبة للطباعة والنشر، دمشق – 1967م.
2.أحمد عمر شاهين، موسوعة كتاب فلسطين في القرن العشرين، دائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية ـ طبعة أولى: 1992م.
3.إميل الغوري، فلسطين عبر ستين عامًا (جزءان) ، دار النهار، بيروت، 1972م.
4.د. أنيس صايغ، وأحمد مرعشلي وعبد الهادي هاشم، الموسوعة، (القسم الأول ـ 4 مجلّدات)، [المجلد الأول]، إصدار هيئة الموسوعة الفلسطينية، دمشق ـ 1984م.
5.حسين العودات ويسين الشكر، الموسوعة الصحفية العربية، الجزء الأول: (بلدان المشرق العربي: سورية ـ لبنان ـ فلسطين ـ الأردن)، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس ـ 1990م.
6.حمد سعيد موعد، الفلسطينيون والقيادة 1920 – 2008م، دار الشرق للطباعة والنشر، دمشق ـ 2008م.
7.د. قسطندي شوملي وآخرون، الموسوعة الصحفية العربية، (6 أجزاء، [الجزء السادس ـ المجلد الثاني]: (الصومال، قطر، السودان، السعودية، فلسطين، موريتانيا)، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس ـ 1999م.
8. د. عبد الوهاب الكيالي، الموسوعة السياسية، (تحرير وإشراف)، بالاشتراك مع كامل زهيري وآخرون، (7 مجلدات)، [المجلد الأول] المؤسسة العربية، بيروت، 1974م.
9.عجاج نويهض، رجال من فلسطين: ما بين بداية القرن حتى 1948م، منشورات فلسطين المحتلة، بيروت ـ طبعة أولى: 1981م.
10.محمد سليمان، تاريخ الصحافة الفلسطينية (1876-1976م)، مؤسسة بيسان للصحافة والنشر، قبرص – 1987م.
11. محمد سليمان، تاريخ الصحافة الفلسطينية، الجزء الأول (1876-1918م)، الجزء الثاني (الصحافة الفلسطينية والانتداب البريطاني)، الاتحاد العام للكتاب و الصحفيين الفلسطينيين والإعلام الموحد- م. ت. ف ، ط1 – مؤسسة بيسان للصحافة والنشر والتوزيع، نيقوسيا، قبرص – 1987م.
12.محمد عمر حمادة، موسوعة أعلام فلسطين ، عدة أجزاء، الجمهورية العربية السورية، وزارة الإعلام، 1998م ط2، 4أجزاء، (من أ – ظ)، دار الوثائق، دمشق، 2000م.
13.د. نزار أباظة ومحمد رياض المالح، إتمام الأعلام (ذيل لكتاب الأعلام لخير الدين الزركلي)، دار الفكر- دمشق ، ودار صادر- بيروت، ط2 نيسان/إبريل 2003م.
14.يعقوب العودات (البدوي الملثم)، من أعلام الفكر والأدب في فلسطين، جمعية عمال المطابع التعاونية، عمان ـ طبعة أولى: 1976م.
15.يوسف ق خوري، الصحافة الفلسطينية في فلسطين (1887-1948م)، الاتحاد العام للكتاب والصحفيين، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت – 1976م.

مقالات ودراسات وبحوث:

1.م. إميل الغوري، مقالة بعنوان: «تاريخ القضية الأورثوذكسية في فلسطين.. نضال مُستمر منذ 500 عام»، نقلاً عن موقع «زبدل»: ( http://www.zaidal.com)، تاريخ النشر: 17/12 2009م.
2.حسني جرار، مقالة بعنوان: «من أعلام الفكر والسياسة في فلسطين :إميل الغوري (1325 ـ 1404 هـ) (1907 ـ 1984 م)»، نقلاً عن موقع «رابطة أدباء الشام»: (www.odabasham.net)، د.ت.
3.زياد أبو غنيمة، مقالة بعنوان: «صفحات متناثرة من مفكرة الوطـن»، جريدة «الدستور» الأردنية، تاريخ النشر: 25 شباط (فبراير) 2010م.
مواقع الانترنت :
1.موقع المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات: www.malaf.info
2.موقع المعرفة: www.marefa.org
3.موقع مركز المعلومات الوطني الفلسطيني: www.pnic.gov.ps
4.موقع مؤسسة القدس الدولية: www.alquds-online.org
5.موقع وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا): www.wafainfo.ps



المصدر : خاص مؤسسة القدس للثقافة والتراث











_________________


زروني في مدونتي القدس الشريف مدينتي
http://snajdivgmailcom.blogspot.com

سمير ابن القدس
كاتب واديب عربي

عدد المساهمات: 927
تاريخ التسجيل: 17/03/2012
العمر: 47
الموقع: القدس الشريف

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواد مقدسيون

مُساهمة من طرف سمير ابن القدس في الثلاثاء يوليو 24, 2012 11:44 pm





رواد مقدسيون



أمين الحسيني
مكان الولادة : القدس
تاريخ الولادة : 1897
الحاج أمين الحسيني... مفتي فلسطين وزعيمها

عندما كنت أتولى مسؤولية سكرتارية تحرير مجلة الدوحة الثقافية القطرية في العام 1984، أهداني أستاذي وصديقي الأكرم أكرم زعيتر كتابه الماتع: (بدوي الجبل وإخاء أربعين عاماً).. وبرغم اننا نشرنا حلقات الكتاب – قبل ان يصير كتاباً – كاملة في المجلة، إلا ان المادة العلمية كانت مشوقة وتغري المرء بقراءتها مرات ومرات دون أن تدركه نأمة الملل والضجر.
وتوقفت ملياً عند الصفحات الأخيرة وبالذات عند نص برقية تعزية ومواساة بعث بها بدوي الجبل – وهو الشاعر السوري الفحل محمد سليمان الأحمد – إلى صديقه الأستاذ أكرم زعيتر أثناء عمله سفيراً للمملكة الأردنية الهاشمية في بيروت، يطلب منه أن يحمل تعازيه الحزينة إلى أسرة المجاهد العربي الزعيم محمد أمين الحسيني عند وفاته في بيروت في الرابع من يوليو عام 1974، وبسبب كسر في قدمه لم يتمكن الأحمد من المشاركة في تشييع الجنازة، ومكث ملازماً الفراش في بيته بمدينة حمص.
وقفت مراراً عن كلمات البرقية البليغة المؤثرة التي تظهر بوضوح وجلاء تلك المكانة المرموقة التي كان يتمتع بها مفتي فلسطين ورئيس الهيئة العربية العليا في قلوب العرب والمسلمين، وهو يومئذ أبرز شخصية فلسطينية ظهرت على المسرح السياسي خلال الفترة الممتدة من بداية العشرينات حتى بداية الستينات من القرن العشرين.
وهذا نص البرقية:
(التعزية بالزعيم العظيم المجاهد الخالد محمد أمين الحسيني تعزية لجده محمد رسول الله والخلفاء الراشدين وللتاريخ العربي الإسلامي العظيم، ولكل عظيم في هذا التاريخ.
وإنني كتلميذ من عشرات الملايين من تلاميذه أنحني على قبره فأبلله بدموعي، وتبلله الملائكة والشهداء والصديقون، وتتزين الجنة للعظيم القادم ولقائه، وتحتو أفياء سدرة المنتهى على أفيائه.
أنت يا أخي أكرم صديقه، ورفيق جهاده وأمجاده، فأحمل تعزيتي الحزينة الملتاعة إلى أهله وذويه وكل مؤمن مكافح مجاهد في الدنيا العربية الإسلامية من أهله وذويه (الكسر الذي أصابني يحرمني شرف توديعه وتشييعه فنب عن أخيك بهذا الواجب المقدس) (1).
وعادت بي الذكرى إلى الوراء.
فعندما كنت في يفاعة العمر – أواخر الأربعينات – لامست سمعي وقلبي أنشودة عاطفية وجهادية كان يرددها الشباب الأكثر وعياً وإدراكاً منا، ثم ما فتئنا نرددها في مواسم الأفراح والأعياد:
سيف الدين الحاج أمين
بدنا نحرر فلسطين
حاج أمين يا مفتينا
بدنا نحرر أراضينا
أعراس القرى والمدن كانت تتغنى بجهاد سيف الدين الحاج أمين الذي استل من غمده وتدعو إلى الالتفاف حول قيادته... والاستشهاد في سبيل القضية العادلة التي حمل لواء الدفاع عنها.. يوم كان للجهاد صورته الناصعة النقية التي تتصف بصفاء السريرة وطهارة اليد، ونقاء الهدف، لقد اقترن اسم الحاج أمين الحسيني.. المجاهد الحق... بقضية فلسطين اقتراناً عظيماً جعل منه رمزاً حياً ونابضاً من أشرف رموز القضية الفلسطينية حتى أصبح اسمه يتردد على ألسنه الأطفال أناشيد فتوة، وعلى ألسنة الشباب والرجال حداءات فروسية ونداءات نضال، وعلى ألسنة الصبايا والنساء زغاريد ابتهاج وبطولة وفداء.
فمن هو الحاج محمد أمين الحسيني الذي توحدت سيرة حياته ونضاله مع سيرة فلسطين ونضالها؟ وارتبطت السيرتان معاً ارتباطاً عضوياً يتعذر الفصل بينهما وبخاصة في العقود الثلاثة التي تمثل فترة الانتداب البريطاني على فلسطين.
من هو الرجل الذي كان من القلائل الذين تنبهوا في وقت مبكر إلى حقيقة ارتباط القضية الفلسطينية بصراع القوى الاستعمارية ضد الأمة العربية والإسلامية من جهة أخرى؟.
من هو أمين الحسيني الذي تحدى الامبراطورية البريطانية التي لم تكن الشمس تغرب عنها، وتحدى إلى جانبها الصهيونية العالمية بما لها من هيمنة ونفوذ؟
من هو أمين الحسيني الذي وقف إلى جانب دول المحور ضد الحلفاء الذين تحملوا المسؤولية الكاملة في مأساة شعب فلسطين؟ وماذا لو انعكست نتائج الحرب العالمية الثانية وانتصر هتلر على خصومه؟ إذن لتغير وجه التاريخ في الشرق الأوسط، وللأضحى وجه فلسطين ناصع العروبة والإسلام.
من هو امين الحسيني الذي سجل له التاريخ عدم تهاونه أو تفريطه بذرّة تراب من وطنه، ورفضه لكافة الحلول السلمية التي (لا يقصد منها إلا التخدير والإلهاء لتشعب الآراء وإعطاء الأعداء الفرصة لتثبيت وجودهم العدواني، ومضاعفة قدرتهم على تنفيذ مخططاتهم وتوسعاتهم في الوطن العربي)؟
من هو أمين الحسيني الذي رفض في تصريح صحفي ادلى به لمجلة (البلاغ) الكويتية في صيف عام 1971 إقامة دولة فلسطينية (يريدها الصهيونيون والمستعمرون دولة مجردة من كل المقومات الحقيقية للدولة الحرة المستقلة وتابعة لهم في الشؤون الخارجية والدفاع وخاضعة لسيطرتهم الاقتصادية، بالإضافة إلى إصرارهم على اغتصاب مدينة القدس ومنطقتها، وعلى أن تكون لهم (حدود آمنة) تبتلع الجزء الأكبر والأهم من الضفة الغربية وقطاع غزة ويهدف الأعداء إلى أن تصبح هذه الدويلة الفلسطينية جسراً يصل بين اليهود والأقطار العربية لاستغلالها اقتصادياً وسياسياً في سبيل تنفيذ مخططاتهم ومؤامراتهم) ؟ (2) وأخيراً...
ما هي الاخطاء التي ارتكبها الزعيم الفلسطيني إبان اضطلاعه بمسؤولية قيادة الشعب الفلسطيني من خلال رئاسته للجنة العربية وللهيئة العربية العليا لفلسطين؟
وهل أخطأ برفضه لمشروع قرار تقسيم فلسطين الذي أقرته الأمم المتحدة في العام 1947؟ ولماذا تعرض الحسيني لحملات قاسية – سواء في حياته أو بعد مماته – وشاركت فيها جهات كثيرة... عربية وغير عربية؟ هذا ما سنجيب عنه لاحقاً.

بداية الانطلاقة:

شهدت مدينة القدس، مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعراجه ميلاد السيد محمد أمين الحسيني عام 1897، ونشأ في عائلة الحسيني العريقة، وتربى في بيت والده الشيخ طاهر الحسيني – مفتي القدس يومئذ – والذي اشتهر بعلمه وتقواه.
تلقى علومه الابتدائية والثانوية في مدارس القدس، وقد اختار له والده عدداً من العلماء المتخصصين فزودوه بالدروس الخصوصية داخل بيته، ثم تعلم الفرنسية في مدرسة الفرير المتخصصة، ثم التحق بالجامع الأزهر بمصر، فزاد من حصيلته الشرعية والعربية.
ودفعه طموحه إلى مضاعفة جهوده لتحقيق المزيد من العلوم والمعارف، فأخذ يتردد على كل من دار الدعوة والإرشاد، التي أنشأها الشيخ محمد رشيد رضا صاحب المنار وداعية الإصلاح المعروف، وكذلك على كلية الآداب في الجامعة المصرية وهي نفسها جامعة القاهرة حالياً، فاغتنى حوضه من الينابيع المعطاء، من جملة فاقه في تلك الفترة الشيخ يوسف ياسين مستشار العاهل الراحل الملك عبد العزيز آل سعود، والأديب لسان الدين الخطيب... والوزير محمد الشريقي وغيرهم.
وخلال إقامته في مصر كان دائم الاتصال بالعاملين في الحقلين العربي والإسلامي يسمع منهم ويأخذ عنهم، إلا أن الظروف لم تمكنه من موالاة الدراسة حتى ينال الإجازة العالية من أي من تلك الينابيع، فبعد عامين اثنين قضاهما بمصر اضطر للبقاء في القدس التي عاد إليها زائراً، فقد حال نشوب الحرب العالمية الأولى دون عودته لمتابعة الدراسة.
وكان قبل ذ لك بعام واحد قد أدى فريضة الحج مع والدته وهو شاب يافع، وبعد عودته أصبح يعرف لدى الناس بالحاج أمين... وهو اللقب الذي ظل ملازماً له في حياته وبعد مماته!.
ومن القدس اتجه الحسيني إلى الأستانة حيث التحق بمدرسة الضباط الاحتياط فنخرج فيها برتبة ضابط وعين للخدمة في أطراف البحر الأسود، ثم التحق بالفرقة العسكرية العثمانية رقم 46 التي كانت مرابطة في منطقة أزمير على البحر الأبيض المتوسط.
وعندما انتهت أهوال الحرب عاد الحاج أمين إلى القدس، وعين مرافقاً خاصاً لمساعد الحاكم العام لفلسطين، لكنه استقال بعد مضي ثلاثة أشهر احتجاجاً على سياسة بريطانيا المناوئة لفلسطين.
وعمل معلماً في كلية روضة المعارف بالقدس، وواصل نشاطاته الوطنية فعمد مع نفر من أصدقائه إلى تأسيس (النادي العربي) وهو أول منظمة سياسية عرفتها فلسطين والتي أخذ من خلالها يبث روح النضال والحرية في شباب العرب، وليعمل على مقاومة الانتداب البريطاني الغادر الذي تعهد بإقامة وطن قومي لليهود على حساب حقوق شعب فلسطين، وكذلك مقاومة الحركة الصهيونية العالمية.
وكان لانتخاب الحاج أمين رئيساً للنادي العربي أثر إيجابي في انطلاق الحركة الوطنية الفلسطينية التي برزت حينئذ في إنشاء الجمعيات الإسلامية والمسيحية في العديد من المدن الفلسطينية، وكذلك في إشعال مظاهرات القدس التي حدثت في عامي 1918 و 1919، وكذلك عقد المؤتمر العربي الفلسطيني الأول في القدس عام 1919، والثاني في دمشق، والثالث في القدس أيضاً عام 1920.
عندما وصلت لجنة الاستفتاء الأميركية عام 1919 إلى فلسطين والمعروفة بلجنة (كينج – كرين) عمد الإنجليز إلى اعتقال الحاج أمين في مدينة الخليل، بسبب تزعمه مظاهرة كبيرة طالبت باستقلال فلسطين ضمن دولة سورية العربية المتحدة من (طوروس إلى رفح) ورفض وعد بلفور، ولكنهم أفرجوا عنه بعد فترة وجيزة.

الحاج أمين الحسيني... مفتياً للقدس

أثناء احتفال المسلمين بموسم النبي موسى في الرابع من إبريل (نيسان) من عام 1920 هاجمهم عدد من غلاة اليهود، فاشتبك الطرفان وسقط عدد من الشهداء برصاص الإنجليز واليهود، وعمدت سلطات الانتداب إلى اعتقال رئيس بلدية القدس موسى كاظم الحسيني (والد المجاهد القائد عبد القادر الحسيني) وعدد من الزعماء، من بينهم الحاج أمين الذي تمكن رفاقه من تحريره أثناء نقله إلى السجن فغادر فلسطين خفية وصول إلى مدينة الكرك الأردنية ومنها إلى دمشق مقر الحكومة العربية الفيصلية.
وتشكلت محكمة عسكرية بريطانية لمحاكمة المناضلين الفلسطينيين، فأصدرت حكماً غيابياً قضى بسجن محمد أمين الحسيني مدة خمسة عشر عاماً.
لكنه عاد إلى فلسطين عام 1921، عند انتهاء الحكم العسكري وإعلان قيام الحكم المدني مما أدى إلى إلغاء الحكم الصادر ضده، وفي تلك الأثناء تم انتخابه مفتياً للقدس وهو المنصب الذي شغله من قبله أخوه وأبوه وجده وذلك رغم معارضة الإنجليز له.
ويعتبر هذا المنصب أهم المناصب الدينية الإسلامية في فلسطين لأنه يمنح المفتي سلطة الإشراف على كافة شؤون المسلمين في الديار الفلسطينية بما في ذلك المحاكم الشرعية والأوقاف الإسلامية، جدير بالذكر ان المحاكم الشرعية الإسلامية كانت – قبل الاحتلال البريطاني لفلسطين – تابعة لمشيخة الإسلام في الاستانة (استانبول) وكذلك الأوقاف الإسلامية العامة، وسائر المعاهد الدينية والثقافية الإسلامية.
وقد بقي الحاج أمين يشغل ذل كالمنصب مدة خمسة عشر عاماً كان آخرها في العام 1937.
وفي عام 1922 تأسس (المجلس الإسلامي الأعلى) بمبادرة فلسطينية وموافقة بريطانية مهمته الإشراف على شؤون المسلمين ومصالحهم ويتمتع بالاستقلال التام في الأمور الدينية، وقد فازت في الانتخابات قائمة الحاج أمين التي كانت تضم إلى جانبه (رئيساً)، كلا من الأعضاء عبد الله الدجاني عن يافا، وعبد اللطيف صلاح عن نابلس، وسعيد الشوا من غزة، ومحمد توفيق مراد عن حيفا، وبعد توليه رئاسة المجلس صار يلقب بـ (صاحب السماحة).
ولقد أبلى الحاج أمين وزملاؤه بلاءً حسناً في خدمة المسلمين، فصينت مصالحهم ونمت أوقافهم ونظمت جميع أمورهم الشرعية، وغدا المجلس الإسلامي على مر الأيام أقوى قوة وطنية إسلامية في البلاد، وقام بعدد من الأعمال والإنجازات الهامة في مقدمتها فتح عشرات المدارس والمحاكم الشرعية، وإنشاء فرق الجوالة والكشافة الإسلامية، والجمعيات الخيرية والنوادي الأدبية والرياضية وتأسيس الكلية الإسلامية، ولعل أهم هذه الأعمال تمثل في إعمار المسجد الأقصى المبارك ومسجد الصخرة المشرفة، وتم تحقيق الهدف الأسمى بعد خمس سنوات من الشروع في تنفيذه، وقد أوفد الحاج أمين لهذا الغرض عدة وفود لجمع التبرعات من أنحاء العالم الإسلامي، وأقيم احتفال بمناسبة إنجاز المشروع في العام 1937 حضره لفيف من قادة وعلماء العالمين العربي والإسلامي.

التصدي للمؤامرات:

بعد أن ترسخت مكانة الحاج أمين في المحيط الفلسطيني، عمل على تنفيذ خططه السياسية الرامية إلى (إثارة اهتمام العرب والمسلمين بقضية فلسطين وحشد قواهم وتعبئة إمكاناتهم لتأييدها والدفاع عنها وجعل هذه القضية قضية عربية عامة، وقضية إسلامية عالمية، وكانت خطة الحاج أمين هذه من العوامل الرئيسة التي حفزت الإنجليز واليهود إلى مقاومته ومحاولة التخلص منه، فما كان يقلق الأعداء أمر كما كان يقلقهم جعل قضية فلسطين قضية عربية عامة وقضية إسلامية عامة (2).
كذلك أدرج الحاج أمين ببصيرته النافذة أن قضية فلسطين أكبر من الشعب الفلسطيني ذاته، وأنها في حقيقتها جزء من قضية كبرى هي قضية الصراع الأزلي بين الحضارة الغربية من جهة والحضارة العربية الإسلامية من جهة أخرى، لذلك أعطى للقضية بعدها العربي الإسلامي، فاتجه بكل طاقاته لتوعية الشعوب العربية والإسلامية بالأخطار المحدقة بهذه القضية، وبأخطار التهاون والتفريط بها على مستقبل الأمتين العربية والإسلامية.
ومن أجل ذلك دعا إلى مقاومة السياسة الاستعمارية البريطانية وكذا المطامع الصهيونية، كما دعا إلى عقد المؤتمرات العربية والإسلامية لشرح أبعاد القضية، وساهم بنفسه في حضور بعضها، ففي عام 1926 لبى دعوة من العاهل السعودي الملك عبد العزيز آل سعود لحضور فعاليات مؤتمر مكة المكرمة الذي حضره لفيف من الزعماء العرب والمسلمين، وفي عام 1927 شارك سماحته في حفل مبايعة الشاعر الكبير أحمد شوقي بإمارة الشعر، كما قام بزيارة سورية ولبنان، وبعث بوفد إسلامي فلسطيني للاتصال بقادة المسلمين في الهند لشرح أبعاد القضية الفلسطينية ووضعهم في صورة الواقع الفلسطيني.
وفي العام 1929 قامت (ثورة البراق) حين حاول اليهود الاستيلاء على الجدار الغربي للمسجد الأقصى حيث يزعمون أنه حائط مبكاهم، فتصدى لهم أبناء فلسطين في كافة المدن، فشكلت الحكومة البريطانية لجنة برلمانية للتحقيق في الاضطرابات، فقدم العرب إثباتات تؤيد ملكيتهم للحائط، وصدر القرار لصالح العرب وكشف التحقيق الذي قامت به اللجنة المحايدة على أن اليهود حاولوا رشوة الحاج أمين بنصف مليون جنيه استرليني مقابل تساهله في قضية (الحائط)! وقد سئل سماحته من قبل رئيس المحامين اليهود: (ألم تكن محكوماً بالسجن في اضطرابات 1920؟) فرد سماحته بقوله: (على مدى خطوات معدودات من هذا المكان حكم على السيد المسيح عليه السلام بافتراء أسلاف موكليك ومؤامراتهم، رغم براءته ورغم أنه رسول السلام).
وفي يوم 25 من مارس 1925 وصل اللورد بلفور صاحب الوعد البلفوري المشؤوم إلى فلسطين لتدشين افتتاح الجامعة العبرية بالقدس، فأضربت فلسطين اضراباً عاماً وشاملاً وصدرت الصحف الفلسطينية في ذلك اليوم مجللة بالسواد، وألقى الأستاذ خليل السكاكيني (المسيحي الديانة) خطاباً وطنياً مؤثراً من فوق منصة الحرم الشريف هاجم فيه زيارة بلفور إلى فلسطين وطالبه بالرحيل فوراً.
بينما طلب المندوب السامي البريطاني (هربرت صموئيل) من سماحة محمد أمين الحسيني أن يزور بلفور الحرم الشريف فلم يستجب لهذا الطلب وأمر الحراس بإقفال الأبواب وعدم السماح لبلفور بالدخول إليه، وتم ذلك فعلاً.

المفتي يترأس وفداً إلى لندن

وفي إطار مساعيه الدولية اشترك الحسيني في عام 1930 في الوفد الفلسطيني المتجه إلى لندن لمفاوضة الحكومة البريطانية بشأن القضية الفلسطينية، فقابل الوفد رئيس الوزراء ووزير المستعمرات ثم قدم مذكرة بمطالب العرب وفي مقدمتها وقف الهجرة اليهودية، وسن تشريع لمنع انتقال الأراضي العربية إلى اليهود، وتأليف حكومة وطنية مسؤولة أمام مجلس نيابي يشترك فيه أهل البلاد بنسبتهم العددية، وبرغم أن المفاوضات استمرت نحو ثلاثة أشهر إلا أن الحكومة البريطانية رفضت تلك المطالب في نهاية المطاف.
ثم سافر الوفد إلى جنيف، وقابل السكرتير العام لعصبة الأمم وعدداً من كبار الساسة في أوروبا، وحدث أثناء وجود الوفد الفلسطيني بلندن أن توفي فيها رئيس الوفد الهندي (مولاي محمد علي) أحد أبرز زعماء الهند، فعرض الحاج أمين أن يدفن في حرم المسجد الأقصى ربطاً للهند ومسلميها بفلسطين، وقد قبل العرض، وشيعت جنازته المهيبة في مشهد لم تشهد القدس مثيلاً له من قبل، وبرأي سماحته دفن الملك حسين بن علي في جوار الحرم القدسي تكريماً لمواقفه من القضية الفلسطينية.
وفي إطار نشاطاته الدولية لتوسيع دائرة القضية الفلسطينية دعا الحاج أمين الحسيني إلى عقد مؤتمر إسلامي كبير بغية لفت أنظار المسلمين وتنبيههم بأبعاد الخطرين المحدقين بأرض الإسراء والمعراج وهما الخطر الاستعماري والخطر الصهيوني.
وافتتحت جلسات المؤتمر ليلة الإسراء والمعراج المباركة 27 من رجب 1350 هـ: كانون الأول 1931 وشهد المؤتمر – الذي استمرت جلساته نحو أسبوعين – عدد عظيم من أعلام المسلمين وقادتهم وذوي الرأي فيهم وكانوا يمثلون (22) قطراً، وانتخب الحاج أمين رئيساً للمؤتمر، وصدرت عن المؤتمر عدة قرارات هامة اشتملت على استنكار السياسة البريطانية واليهودية في فلسطين، وإنشاء جامعة إسلامية في القدس باسم (جامعة المسجد الأقصى) ومقاطعة جميع المصنوعات الصهيونية...الخ.
وعملت بريطانيا من جانبها على إجهاض هذه المقررات عملياً وبخاصة إفشالها لإنشاء جامعة المسجد الأقصى وعرقلتها لكل مسعى إسلامي جاد في هذا الإطار.
وكان سماحة المفتي قد زار في عام 1933 العديد من العواصم العربية والإسلامية في جولة استغرقت نحو ستة أشهر، كان هدفها جمع العرب والمسلمين حول القضية الفلسطينية وكسب التأييد والمساندة لها، وحضر المفتي بعدئذ عدة مؤتمرات دولية إسلامية في عواصم عربية وإسلامية (وأصبح مفتي فلسطين – كما يقول المؤرخ (نجدة فتحي صفوة) في طليعة الزعماء العرب إن لم يكن الزعيم العربي الأول في الثلاثينات وأوائل الأربعينات بل من أهم الزعماء المسلمين في العالم) (4).
وضمن مساعيه الخيرة لإصلاح ذات البين بين الأشقاء، تولى سماحته بصفته رئيساً للمؤتمر الإسلامي رئاسة وفد إسلامي رفيع المستوى لإنهاء الخلاف الذي حدث عام 1934 بين المملكة العربية السعودية في عهد مليكها عبد العزيز آل سعود وبين المملكة المتوكلية اليمنية في عهد إمامها يحيى حميد الدين على منطقتي جيزان ونجران الحدوديتين، ونجحت مساعي الوفد وعاد الود والصفاء بين الجارتين العربيتين المسلمتين إلى سابق عهدها.
هذا وفي إطار ترتيب البيت الفلسطيني من الداخل شهدت القدس عام 1953 عقد جلسات مؤتمر علماء فلسطين برئاسة مفتي فلسطين، وحضره مئات من قادة الدعوة الإسلامية والقضاة والمدرسين وغيرهم قدر عددهم بنحو أربعمائة، وبحثوا أمر بيوع الأراضي في فلسطين، وأفتوا بحرمة من يبيع أو يسمسر أو يسهل بيع أراض لليهود، وبحرمة الصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين.
وقد شهد ذلك العام أيضاً استشهاد الإمام الشيخ عز الدين القسام بالقرب من جنين الأمر الذي أثر تأثيراً نفسياً سلبياً في فلسطين، لكنه شحذ همم الفلسطينيين لإعلان الإضراب العام الذي استمر ستة أشهر، وانفجرت إبانه ثورة 1936 التي دعمها المفتي بكل طاقاته، وجرت خلافات يومئذ بين الأحزاب الفلسطينية الست، وبعد مشاورات ومباحثات بين الأطراف المختلفة تم تشكيل (اللجنة العربية العليا لفلسطين) برئاسة الحاج محمد أمين الحسيني الذي تولى قيادة الحركة الوطنية علنياً وأعلن عن تشكيل قوات الجهاد المقدس.
وقد تدخل ملوك العرب وأمراؤهم لإنهاء الإضراب والثورة من خلال نداء وجهوه للمفتي ووعدوه بان تعمل بريطانيا على إنصاف عرب فلسطين (معتمدين على حسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل، وثقوا بأننا سنواصل السعي في سبيل مساعدتكم!).
ولما حضرت لجنة التحقيق الملكية البريطانية إلى فلسطين أواخر عام 1936 تولى الحاج أمين الدفاع عن القضية الفلسطينية، وطالب أمام اللجنة بإلغاء الانتداب ووعد بلفور، وكذلك بتأليف حكومة فلسطينية مشتركة بين العرب واليهود.
غير ان هذه اللجنة أصدرت في العام 1937 تقريراً عن نتائج زيارتها إلى فلسطين فأوصت بتقسيم البلاد بين العرب واليهود مما أثار حفيظة اللجنة العربية العليا ورئيسها الذي أصدر بياناً شديد اللهجة ضد التقسيم ومشرعيه.
وقد داهمت القوات البريطانية مقر اللجنة للقبض على الحاج أمين، لكنه استطاع النجاة من الطوق بلجوئه إلى المسجد الأقصى المبارك وظل يدير الحركة الوطنية من داخله بينما آثرت القوات البريطانية عدم اقتحامه تفادياً لإثارة مشاعر المسلمين.
في الوقت الذي عمد فيه الإنجليز إلى محاضرة الحرم شهوراً ثلاثة وقطعوا عنه الكهرباء والماء والهاتف.
وصادف في تلك السنة اغتيال الحاكم البريطاني للواء الشمالي ويدعى (اندروز) فردت السلطات البريطانية على ذلك بعنف ووحشية، فأصدرت أوامرها بحل (اللجنة العربية العليا) وأقالت الحاج أمين من رئاستها، وحمّلته مسؤولية العنف في فلسطين، وأمرت بمضاعفة الجهد لإلقاء القبض عليه.
واستطاعت القبض على بقية أعضاء اللجنة وهم: أحمد حلمي عبد الباقي والدكتور حسين الخالدي ويعقوب الغصين والدكتور داود الحسيني، وفؤاد سابا، وتم نقلهم إلى بارجة حربية أبحرت بهم من ميناء حيفا إلى جزيرة (سيشل) في المحيط الهندي.
أما المفتي فقد استطاع التسلل من الحرم القدسي إلى بيته الذي كان يشرف على الجدار الغربي للأقصى ومنه انطلق خفية إلى يافا ومن ثم إلى لبنان بواسطة مركب شراعي بدائي.
وقد رفضت الحكومة الفرنسية طلباً من الحكومة البريطانية بتسليمها الحاج أمين الحسيني وذلك نتيجة للمظاهرات التي اندلعت في بيروت وبعض العواصم العربية والإسلامية، بينما سمحت له بالإقامة لاجئاً سياسياً تحت المراقبة المكثفة، ومكث في العاصمة اللبنانية مدة عامين كان خلالهما يمد الثورة بالمال والسلاح والرجال.
وبعد أن نشبت الحرب العالمية الثانية في العام 1939 أعادت الحكومة البريطانية مطالبتها باريس بتسليمها المفتي، ولما أحس المفتي بذلك توجه سراً إلى العراق ولحق به عدد من الزعماء والمجاهدين فاستأنف الحركة الوطنية وبذل الجهود لإعادة تنظيم جيش الجهاد المقدس، وادخل عدداً من رجالاته إلى المعاهد العسكرية ومن ضمنهم القائد عبد القادر الحسيني، ومكث المفتي مدة عامين في بغداد التي أضحت مركز الرحى في القضية الفلسطينية، وكان المفتي على صلة قوية بالأوساط السياسية والوطنية الفاعلة في العراق ومحل تقدير من الشعب العراقي بأسره في الوقت الذي استاءت فيه السلطات البريطانية لهذه المشاعر المعادية لها، وكان العراق في تلك الآونة يتمتع بقدر لا بأس به من الاستقلال النسبي.
وفي العام 1941 نشبت الحرب العراقية البريطانية وهي المعروفة باسم حركة (رشيد عالي الكيلاني) فاشترك المجاهدون الفلسطينيون الذين قدر عددهم بمائتي مجاهد في القتال إلى جانب الجيش العراقي، ولما تغلب الإنجليز وأوشكوا أن يحتلوا بغداد غادر المفتي مع نفر من إخوانه بغداد متوجهاً إلى طهران فأقام فيها مدة قصيرة، ثم غادرها سراً إلى تركيا فبلغاريا فإيطاليا وصولاً إلى ألمانيا وهي الهدف المباشر لهذه المرحلة الطويلة الشاقة.
وكانت القوات البريطانية التي احتلت العراق وإيران والتي ساءها رفض المفتي للكتاب الأبيض ولمساعيها الرامية لاستمالته إلى جانبها، قد رصدت مكافأة مادية مجزية للقبض عليه حياً او ميتاً قيل أنها بلغت 25 ألف جنيه استرليني.
لماذا أيد المفتي سياسة المحور؟
لقد استقر في أذهان الجماهير العربية أن مفتي فلسطين الأكبر الحاج محمد أمين الحسيني عاش في منفاه الاختياري في أوروبا في رعاية الزعيم النازي أدولف هتلر، وان إنجلترا والصهيونية العالمية تطالبان بمحاكمته باعتباره (مجرم حرب نازي) في محكمة نور مبرج الشهيرة، هذا ما ترسخ في الأذهان العربية جراء الدعاية اليهودية المغرضة لتشويه سمعة هذا المجاهد العربي الكبير.
ويرد الدكتور السيد فهمي الشناوي على ذلك بقوله:
الواقع أن هذا أبعد الأمور عن الحقيقة نعم لقد عاش في منفاه الاختياري مع قطبي المحور هتلر وموسوليني، ولكن أبداً لم يكن هناك تفاهم واتفاق رأي بينه وبين هتلر، ولقد كان موقفه معه مثل موقف ستالين مع تشرشل وروزفلت، موقف أراد منه خدمة قضيته الوطنية المقدسة لا الذوبان في حليفه أو اعتناق مذهبه، ولقد أقر الفكر الأوروبي موقف تشرشل وستالين في الوقت الذي ظلم فيه غاية الظلم موقف المفتي مع هتلر.
أما عقل الجماهير العربية في الشرق الأوسط فقد قبل الطّعم الذي صاغه له الغرب دون أدنى مناقشة.
ويواصل الدكتور الشناوي تبريره المنطقي قائلاً:
ما يهمني – إنصافاً وبحثاً عن الحقيقة الخالصة – هو أن المفتي كان (الشهيد الحي) في سبيل فكرته عن تخليص فلسطين وما حولها من الصهيونية، وانه في سبيل ذلك فقط على استعداد لمحالفة الشيطان نفسه (5).
لقد نظر المفتي إلى التحالف مع دولتي المحور (ألمانيا وإيطاليا) من منظور المصلحة الفلسطينية العربية وليس من منظور القوة العسكرية البحتة.
فعندما ينتصر الحلفاء سيقلبون للعرب ظهر المجن كما فعلوا بعد الحرب العالمية الأولى،ـ وستتمكن الصهيونية العالمية من تحقيق هدفها بالاستيلاء على فلسطين، وليس من الحكمة أن يجرب العرب حظهم مرة أخرى مع الحلفاء، إنها قضية شعب ومصير امة، ولكن ماذا سيكون الموقف لو تغير ميزان الحرب لصالح دول المحور؟ وماذا ستكون عليه النظرة لشخصية المفتي؟
ولكن لماذا تبذل بريطانيا العظمى كل هذه المحاولات المحمومة للنيل من المفتي؟
يجيب عن هذا التساؤل المستر (جون مارلو) مؤرخ الشرق الأوسط بقوله:
لقد حكمت بريطانيا فلسطين ما بين عام 1920 – 1948 كدولة انتداب، والمقصود بهذا الحكم خلال هذه الفترة أن تسلم بريطانيا فلسطين إلى اليهود وهذه الحقيقة كانت تعلمها بريطانيا، وكان يعلمها ساسة العالم كله إلا العرب، وكانت بريطانيا تخفي هذه الحقيقة بقدر الإمكان عن (أصدقائها العرب).
ولم يكن يعلم هذه الحقيقة ويعلمها بأبعادها الكاملة إلا مفتي القدس ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى فيها، ومن ثم أصبح هو بشخصه وحده محور القضية كلها ومحور الأحداث في المنطقة، والشخص الذي تطلب رقبته بريطانيا خفية والصهيونية علناً، ولقد كان هو من النشاط والديناميكية (والحنكة) السياسية بحيث وهب الفكرة كل حياته فهي زوجته وهي أولاده، وكأنما تشربت روحه بكل الروحانية القديمة المعروفة في هذه المنطقة من العالم (6).
ولكن ماذا يمكن أن يحدث لو انتصر المحور وانهزم الحلفاء؟
يرى مفتي فلسطيني أن انتصار المحور سوف يحقق لعرب فلسطين بشكل خاص مكاسب مؤكدة وكذلك للدول العربية.
وكان المفتي قد أرسل أثناء إقامته في بغداد سكرتيره الخاص السيد (عثمان حداد اللبناني الجنسية) وهو يحمل رسالة لهتلر طالبه فيها بما يلي: الاعتراف الرسمي من قبل دول المحور بالبلدان العربية المستقلة وبحق الدول العربية الخاضعة للانتداب بالاستقلال وكذلك الاعتراف بحق البلدان العربية الخاضعة للاستعمار الإنجليزي بالاستقلال والإعلان من قبل دول المحور انها لا تطمع بمصر والسودان وأخيراً الاعتراف بحق العرب بإلغاء الوطن القومي اليهودي وإعلان المحور بعدم الاعتراض بهذا الوطن المزعوم.
والمتأمل في هذه المطالب يدرك مباشرة ودونما عناء أن الحسيني كان يحمل بين ضلوعه آمال وطموحات الأمة العربية بأكملها وليس الأمر مقتصراً على فلسطين وحدها.
وقد أكد هذا المعنى بنفسه حين قال:
إن انتصار الإنجليز كان يعني أن فلسطين ضائعة، لم يكن شعبنا قادراً على الدفاع عن نفسه وحيداً كان لا بد لنا من البحث عن دعم... دعم من هو أقوى من عدونا، وكانت انتصارات جيوش المحور لا تدع مجالاً للشك في نهاية الحرب، وما كان في نيتي أن أنتظر دون عمل حتى النصر النهائي والخضوع لرغبات المنتصرين، كنت أريد أن يحمل العرب السلاح لا إلى جانب المحور بل من أجل قضيتهم..
أنا لم أذهب إلى بلاد المحور كي أضع نفسي تحت تصرفهم، لقد ذهبت في سبيل خدمة قضيتي التي هي قضية أمتي بكاملها، ذهبت مفاوضاً لا متعاوناً، كنت أتوق لأن تكون إقامتي ذات نفع إلى فلسطين خاصة ولوطني العربي الكبير عامة وللإسلام الذي احمل أكبر مهمة من أجل إعلاء كلمته (7).
وبتاريخ 27 من أكتوبر 1941 وصل المفتي إلى روما ورحب الدوتشي به في عاصمته الروحية وتبادلا الأحاديث الودية.
ومن ضمن ما قاله المفتي له: إن إيماننا بالدفاع عن وجودنا هو الذي يملي علينا الكفاح ضد الوطن القومي اليهودي وليس التعصب كما يزعم المتخرصون، لقد كانت العلاقات في الوطن العربي أخوية دائمة بين المسلمين والمسيحيين، لقد تعاون العرب دائماً في سبيل وطنهم وفق معتقدهم الديني.
فعلق موسوليني: أعرف ذلك، فلقد درست القرآن والتاريخ الإسلامي والتسامح الذي يحله الإسلام محلاً أسمى، أنتم أصدقاؤنا وحلفاء بلاد المحور في هذه الحرب التي ستبدل كثيراً في مستقبلنا ومستقبلكم، إننا نتعاون معكم تعاوناً مبنياً على الثقة والتعاون المتبادل.
إن مطالبكم تحظى باحترامنا واهتمامنا إننا راغبون في مساعدتكم على تحقيقها ونحن على استعداد للاعتراف بأمانيكم (Cool.
ماذا جرى بين المفتي والزعيم النازي هتلر؟
بعد ظهر يوم 21 نوفمبر (تشرين ثاني) 1941 اجتمع الحاج أمين مع أدولف هتلر فوهرر ألمانيا وزعيم الرايخ الثالث الذي استقبله في مكتبه بالمستشارية الكبرى ببرلين بعد أن جرت للزعيم الفلسطيني مراسيم استقبال رسمي حيث عزفت الموسيقى واستعرض حرس الشرف.
رحب هتلر يضيفه وطلب إليه الجلوس أمامه بواسطة ترجمانه الخاص (الهرشميدت) الذي نقل حديثه إلى المفتي بالفرنسية فبادره قائلاً: أهنئك وأهنئ نفسي بنجاتك من عدونا المشترك، لقد تابعت قلقاً مراحل تنقلك من طهران إلى برلين.. إني اعتبر خلاصك نصراً... إن تاريخ حياتك معروف عندي بتفاصيله، إن كفاحك يحظى باحترامي.. إنني أقدر المعركة العظيمة التي خاضها الشعب الفلسطينية بشجاعة وحيداً لا يعتمد على احد ضد الامبراطورية الإنجليزية واليهودية العالمية، إن جرأة هذا الشعب وتصميمه العنيد وتمسكه بحقوقه وتفانيه تستحق إعجاب العالم.
وبعد أن شرح له المفتي أبعاد القضية الفلسطينية قال له الفوهرر معلقاً: إن إلغاء الوطن القومي اليهودي هو جزء من معركتي، إن اليهود – كان يشدد على آخر حرف من يهودي – يريدون أن يقيموا دولة مركزية تكون قاعدة لنشاطهم وأهدافهم المخربة، إنهم يريدون أن يهددوا كل الدول وكل شعوب العالم، إنه من الثابت أن اليهود لم يقوموا باي عمل بناء في فلسطين، دعايتهم كاذبة كل ما بني في فلسطين بناه العرب لا اليهود منذ ما قبل التاريخ.
وقد قررت بأي ثمن أن أجد حلاً دقيقاً ونهائياً للمشكلة اليهودية، وبعد ذلك سأدعو أولاً كل دول أوروبا ثم البلدان التي من غير أوروبا ان تتعاون معي لنضع حداً نهائياً لليهودية العالمية التي تشكل خطراً يهدد العالم أجمع.
وتساءل هتلر باستغراب ودهشة: أليس عجيباً ومخيفاً أن يتعاون عدوان مختلفان مبدأ وهدفاً الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي أقصى اليمين وأقصى اليسار؟ تناقض عجيب، لقد استطاعت اليهودية العالمية جمعها بالاحتيال.
وخلال الحديث طلب الحاج أمين من الفوهرر الاعتراف باستقلال الدول العربية والإسلامية، وتنفيذ تعهده باستقلالها إثر الانتهاء من الحرب فعلق على ذلك قائلاً:
أريد أن أقول لك شيئاً يجب أن يظل مكتوماً بيننا.. أولاً سأتابع الكفاح حتى القضاء على اليهودية العالمية، ثانياً عندما تصل جحافلنا للصفحة وقوات الطيران الألماني إلى منحدرات جنوبي القوقاز يصبح الوقت مناسباً للتصريح الذي تطلبون، ويحين تحرير العرب أن ألمانيا ليست لديها أطماع في أية دولة عربية، ثالثاً: إني أؤكد لكم أن الساعة التي تقودون العرب فيها إلى الحرية باتت قريبة.
رابعاً: أعتقد أن انتصارنا في الشرق سيسبب سقوط الامبراطورية الإنجليزية، وأكرر لكم القول غنه ليست لدينا مطالب في البلاد العربية، فنحن أصدقاؤكم وبوسعكم أن تعتمدوا علينا، ولكن اعتمدوا على أنفسكم أولاً فنحن نفكر أولاً بمصالح ألمانيا، وعليكم أن تفكروا بمصالحكم أولاً (9).
دام الحديث بين الزعيمين ساعة وخمساً وثلاثين دقيقة، وقد استغلت الصهيونية العالمية بعدئذ هذا الاجتماع لنصب جام غضبها على الحاج أمين.
وجاءت نتائج الحرب العالمية الثانية مخيبة لآمال المفتي ولكل المتطلعين إلى انتصار المحور، فبعد انهيار ألمانيا غادرها الحاج أمين متوجهاً إلى سويسرا بطائرة وضعتها القيادة الألمانية تحت تصرفه، وطلب اللجوء السياسي فيها، ولكنها رفضت منحه هذا الحق وذلك بضغط من الحلفاء، فعاد إلى ألمانيا ثانية، وعندما وصلها كان الفرنسيون قد احتلوا المنطقة فقبضوا عليه، وقد طلبت كل من يوغسلافيا وبريطانيا وأميركا محاكمته كمجرم حرب فرفضت فرنا، ونقلته إلى سكن خاص في ضواحي باريس تحت الحراسة، وذلك بعد أن تدخل في الأمر ملك مصر وسلطان المغرب، وعدد من زعماء سورية ولبنان.
وبقي في فرنسا نحو سنة تضاعفت أثناءها حدة الهجوم عليه وعلى إقامته في فرنسا من الدوائر اليهودية والاستعمارية، فقرر مغادرة باريس خفية، وقد أعطاه صديقه الدكتور معروف الدواليبي جواز سفره، فاقتضى ذلك تبديل الصورة وتغيير اللباس، وحجز مكان ما في طائرة مسافرة من باريس إلى القاهرة فغادر مطار (أورلي) إلى روما حيث قضى ليلة واحدة فيها، وفي الصباح توجه بالطائرة إلى القاهرة، فوصلها بتاريخ 29 من مايو (أيار) 1946 وأحدث وصوله إلى أرض الكنانة دوياً عالمياً حيث استأنف نشاطه السياسي، برغم التشدد البريطاني على الحكومة المصرية للحد من تحركاته.
وفي الحادي عشر من يونيو (حزيران) 1946 ترأس الحاج أمين (الهيئة العربية العليا) التي تألفت بقرار من جامعة الدول العربية، وافتتحت بعدئذ مكاتب لها في القاهرة والقدس وبعض العواصم العربية، وكانت الهيئة قد قررت وجوب العمل على إعداد الشعب الفلسطيني عسكرياً ومعنوياً لخوض المعركة ضد الصهاينة والإنجليز، فعمل المفتي على إنجاز عملية الإعداد، فألف لجنة من قادة المجاهدين الفلسطينيين وبعض الضباط السوريين والعراقيين والمصريين لوضع الخطط وتحديد المطلوب من الأسلحة والمعدات اللازمة للجهاد الذي كان أوانه قد اقترب بعد بروز فكرة التقسيم من جديد في الأوساط الأميركية والبريطانية والصهيونية ومحيط الامم المتحدة (10).
وعمل المفتي وإخوانه على توفير السلاح والعتاد من شتى المصادر وبوجه خاص من الصحراء الغربية المصرية حيث مخلفات الحرب العالمية، كما أعاد تنظيم جيش الجهاد المقدس الذي أسند قيادته إلى القائد عبد القادر الحسيني.
أما على المستوى الدولي فقد صدر يوم 29 من نوفمبر 1947 قرار الجمعية العمومية بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود، فأعلن المفتي باسم الهيئة العربية العليا رفض ذلك القرار، وقرر العرب جميعاً التصدي له، وبعد أيام من صدور القرار نشب القتال فوق الأرض الفلسطينية، وحاول المفتي السفر إلى فلسطين لكن جامعة الدول العربية طلبت منه باسم المصلحة العامة التريث بعض الوقت، وتأجيل السفر إلى ما بعد انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين في الخامس عشر من أيار مايو 1948.
وقد مارس السفير البريطاني في مصر ضغوطاً على الحكومة المصرية للحيلولة دون السماح للزعيم الفلسطيني بالسفر إلى فلسطين.
وبعد وقوع كارثة فلسطين عام 1948، واصل المفتي نضاله في الدفاع عن القضية الفلسطينية ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
وفي نهاية شهر سبتمبر (أيلول) من عام 1948 توجه بصحبة عدد من رفاقه إلى غزة براً عن طريق صحراء سيناء، وبعد وصوله بفترة وجيزة أعلن قيام (حكومة عموم فلسطين) لتتولى شؤون الكفاح، وعقد آنئذ في غزة في الفاتح من ديسمبر 1948 مؤتمر فلسطيني كبير سمي (المجلس الوطني الفلسطيني) وانتخب المفتي رئيساً له، وأعلن المؤتمر استقلال فلسطين، وتعهد بالعمل على تحريرها من الاحتلال الصهيوني، ووضع دستوراً للحكومة التي دعيت رسمياً (حكومة عموم فلسطين) برئاسة أحمد حلمي عبد الباقي، وخفت إلى غزة وفود من المجاهدين والمتطوعين من سائر أنحاء فلسطين استعداداً لمواصلة الكفاح.
وفي تلك الأثناء حدث ما لم يكن في الحسبان، فقد أصدر القائد العام للجيش المصري (حيدر باشا) أوامره بنقل المفتي فوراً إلى القاهرة تحت الحراسة العسكرية وبعد وصوله إلى العاصمة المصرية وضع تحت الرقابة المشددة، ثم انتقلت حكومة عموم فلسطين يطلب من الحكومة المصرية إلى القاهرة ثم جمد نشاطها..
وبعد انتهاء الحركات الحربية في منطقة غزة وابرام اتفاقية (رودس) طلب المفتي السماح له بالإقامة في غزة فلم يسمح له بذلك، ولكن بالمقابل خففت القيود المفروضة عليه تدريجياً فجدد نشاطه السياسي، وإن لم يسمح له حتى مجرد زيارة مخيمات اللاجئين.
ولما قامت ثورة 23 يوليو عام 1952 بمصر رحب المفتي بها وكان معظم أعضاء مجلس قيادة الثورة يتعاونون معه في عام 1948 ويولون سراً نقل الأسلحة من القاهرة إلى سيناء وكان من ثمار هذا التعاون انطلاق الفدائيين الفلسطينيين بعمليات جريئة ضد إسرائيل تحت قيادة البطل المصري مصطفى حافظ الذي اغتالته إسرائيل عام 1955 بواسطة طرد بريدي ملغم.
اقتصر نشاط المفتي في تلك الفترة وما تلاها لنصرة القضية الفلسطينية في المحافل العربي والإسلامية كلما كان ذلك ممكناً، ففي عام 1951 راس سماحته مؤتمر العالم الإسلامي المنعقد في كراتشي وبعد عام واحد رأس مؤتمر العلماء المسلمين المنعقد أيضاً في العاصمة الباكستانية.
وفي العام 1955 ترأس وفد فلسطين في اعمال المؤتمر الآسيوي الإفريقي الذي عقد في باندونج بأندونيسيا.
وفي مطلع عام 1959 انتقل الحاج أمين الحسيني إلى سورية ومنها إلى لبنان، ونقل مركز الهيئة العربية العليا إلى بيروت، واستأنف فيها نشاطه السياسي، فأصدر مجلة (فلسطين) ورأس (مؤتمر العالم الإسلامي) الذي انعقدت دورته الخامسة في بغداد عام 1962، ودورته السادسة في مقديشو عام 1965، واشترك في (مؤتمر الرابطة الإسلامية) في مكة عام 1962 بوصفه أحد مؤسسي الرابطة، وخلال نفس العام زار سورية والسعودية ولبى دعوة حكومة ماليزيا ليرأس المؤتمر الإسلامي لمسلمي الشرق الأقصى، وغير ذلك من النشاطات والفعاليات المختلفة، وفي اول مارس عام 1967 قام المفتي بزيارة بيت المقدس بعد هجرة استمرت نحو ثلاثين عاماً وأدى آخر صلواته فيه.

رأي الحاج أمين في الحل السلمي:

كان الحاج أمين الحسيني صاحب بصيرة نافذة، وعقلية ذكية، وكان يعرف كامل المعرفة أن أطماع اليهود لا تنتهي عند حد معين، وكان يدرك أن قضية فلسطين قضية إسلامية في المقام الأول ومرتبطة بعقيدة المسلم وإيمانه ولذلك لا يجوز تحت أي ظرف مساومة اليهود عليها ولا مفاوضتهم، ولا الاعتراف بوجودهم في أرض فلسطين.
لقد رفض كل الحلول الاستسلامية، رفض التقسيم والتدويل والتوطين والتعويض، رفض كل حل يؤدي إلى التفريط باي شبر من فلسطين، والحل الوحيد الذي يرتضيه هو تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني بالكفاح الجدي المسلح الذي سلكته جميع الشعوب (إن الحل المنشود للقضية الفلسطينية لا يتحقق بالتنازلات والمناقصات والتفريط في الحقوق الوطنية تفريطاً يقضي على كل حل للشعب الفلسطيني في الحياة الكريمة، وليس في مجال القضية الفلسطينية أي مكان لتعايش سلمي مع أعدائنا الذين نعلم حق العلم أنهم لا يريدون تعايشاً مع أحد، ولكنهم يريدون التوسع على حساب أمتنا وسلامتنا ومستقبل أجيالنا والمضي في سلب كل شيء معتقدين أن بلادنا كلها لهم، بل أن العالم كله لهم، وهذا الاعتقاد اليهودي ثابت وقد عرفه كل من درس تاريخ اليهود وكتبهم وعرف ماضيهم وحاضرهم (11).
لماذا رفض المفتي قرار التقسيم؟
يتردد هذا السؤال كثيراً على ألسنة الكثيرين من عامة الناس وسياسيين على حد سواء وتزداد حدة السؤال بشكل خاص في هذه الآونة التي يتم التسويق فيها لعمليات السلام المفروضة على المنطقة.
واجدر الناس بالإجابة عن السؤال المطروح: لماذا رفض المفتي قرار التقسيم الذي أقرته الأمم المتحدة عام 1947 هو سماحة المفتي نفسه، ففي مقابلة صحفية أجراها معه الأستاذ عماد شقور أجاب الحاج أمين قائلاً: الدوافع الأساسية التي ادت إلى رفض مشروع التقسيم وامثاله من المشروعات الظالمة والمجحفة لأنه يمزق فلسطين ويذهب بالقسم الأكبر والأخصب من أراضيها لقمة سائغة لليهود المعتدين والطارئين على البلاد، ولم اكن أنا وحدي الذي رفض التقسيم عندما قررته الأمم المتحدة، بل رفضته الدول العربية جميعاً وأصدرت بياناً إجماعياً باستنكاره في 17 ديسمبر 1947.
والتقسيم هو تمزيق لجسم الوطن ولا تقبله امة حية من أمم الأرض، فلماذا يفرض على شعب فلسطين قبوله؟ ولماذا يلام هذا الشعب على رفضه له؟ فهذه فرنسا لم تقبل بفصل الألزاس واللورين عنها وقاتلت في سبيل استردادها حتى فازت بذلك، وهذه اليمن ما تزال تسعى إلى ضم شطريها في وحدة تامة مع أن أهل الشطرين عرب أقحاح وليس فيهم عنصر أجنبي طارئ والامثلة على هذه كثيرة.
إن رفض تقسيم فلسطين كان وما يزال مسألة حق وعدل ومنطق وكرامة، وليس في اعتقادي من مبرر قط لقبول التقسيم ولا للسكوت عنه وتناسيه وتجاهله واختلاق المبررات له بانه أصبح أمراً واقعاً وأن الأمم المتحدة أقرته، إن هذه كلها أباطيل ومخادعات لتضليل الفلسطينيين والعرب والمسلمين، فالوجود اليهودي في فلسطين وجود طارئ ومصطنع وباطل قانوناً ومنطقاً، فلماذا يراد بنا أن نخضع لهذا الظلم ونقره ونعترف بالأمر الواقع، واعتقادي ان المظلوم الذي ينام على الظلم ولا يقاومه بكل قوة وتصميم يكون أحق باللوم من الظالم نفسه لان الخضوع للظلم تأييد للظالمين وتشجيع لهم على الاستمرار في الظلم والتمادي فيه (12).
ومن جانب آخر فقد كشف النقاب في شهر فبراير 1999 عن محتويات ملف مكتب المستعمرات البريطاني رقم 537/2643 عن وجود اتصالات سرية بين بريطانيا ومفتي فلسطين الأكبر في القاهرة عام 1947، ونشرت جريدة (الانديبندنت) البريطانية استناداً إلى ذلك التقرير الذي بقي سرياً لمدة نصف قرن أنه بتاريخ 29 سبتمبر بعث الوكيل الاستخباراتي البريطاني في القاهرة بمذكرة سرية إلى وزارة الخارجية البريطانية مرفقاً لها تقريراً حول مقابلة أجراها مصدر موثوق مع المفتي يحتمل أن يكون ضابط مخابرات بريطانياً، وخلال تلك المقابلة رفض المفتي تقسيم فلسطين إلى دولة عربية وأخرى يهودية وقال: (أرفض المساومة مع الصهاينة، إن فلسطين بما فيها يافا وصحراء النقب هي ملك للعرب، وشبّه الاقتراح بالتقسيم كإجراء مفاوضات مع سارق من أجل إعادة بعض المسروقات والاحتفاظ بالقسم الاكبر منها لنفسه.
وقال الحاج أمين (إن أي شكل من التقسيم لن يرضي الصهاينة، ومهما أعطوا فإن أعينهم ستبقى مركزة على ما في أيدي غيرهم وسيحاولون أخذه في أقرب فرصة).
ويتابع المفتي: (ضعوا أنفسكم مكان العرب وتذكروا ما حصل لكم في العام 1940 هل كان بإمكانكم التفكير بإعطاء الألمان جزءاً من بريطانيا مقابل ترككم وشأنكم؟ بالتأكيد لا، وكذلك الحال لإجابتنا على التقسيم او إقامة دولة فيدرالية في فلسطين (الإجابة هي بالتأكيد لا جملة وتفصيلاً، سيكون لليهود نفس الحقوق التي يتمتع بها العرب الفلسطينيون ولن يوافق العرب على إعطاء الصهاينة أية سلطة سياسية او امتيازات تضعهم فوق حكومة فلسطين).



المصدر : خاص مؤسسة القدس للثقافة والتراث











_________________


زروني في مدونتي القدس الشريف مدينتي
http://snajdivgmailcom.blogspot.com

سمير ابن القدس
كاتب واديب عربي

عدد المساهمات: 927
تاريخ التسجيل: 17/03/2012
العمر: 47
الموقع: القدس الشريف

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواد مقدسيون

مُساهمة من طرف وفاء بنت غزة في الأربعاء يوليو 25, 2012 12:00 am

جهود جبارة اخي ابن القدس
لي عودة للاطلاع ان شاء الله

_________________





وفاء بنت غزة
الإدارة

عدد المساهمات: 930
تاريخ التسجيل: 10/03/2012

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواد مقدسيون

مُساهمة من طرف سمير ابن القدس في الجمعة أغسطس 03, 2012 3:11 am



رواد مقدسيون








أحمد سامح الخالدي .. (1896 - 1951م) من رواد التربية والتعليم الحديث في فلسطين
بقلم : أوس داوود يعقوب/خاص بمؤسسة القدس للثقافة والتراث
يُعدُّ المربي والأديب المقدسي أحمد سامح الخالدي، «أبو التربية الحديثة في فلسطين وأحد كبار المربين العرب في العصر الحديث» (1).
ويرى المرحوم الأستاذ عجاج نويهض أن: «الخالدي وخليل السكاكيني بطلا التربية والتعليم في فلسطين، وأي باحث يريد أن يعدد المربين العرب في فلسطين بعد سنة 1923م فصاعدًا، فعليه أن يعد أولاً هذين القطبين، ثم ينتقل بعدهما إلى سائر الطبقة»(2) . وهو «من أشهر من نقل عن الانكليزية في التربية والتعليم» (3).
وقد كرس حياته في سنواته الأخيرة «لمساعدة اللاجئين الفلسطينيين ورعاية شؤون تعليم أبنائهم»(4) .

الميلاد والنشأة:

ولد المرحوم أحمد سامح الحاج راغب نعمان الشيخ راغب محمد علي السيد علي محمد خليل محمد صنع الله الخالدي، (أبو الوليد) عام 1896م في بيت المقدس(5) ، وتلقى دراسته الأولية في المدرسة الأمريكية (كولونية الأميركان)، والثانوية في المدرسة الإنكليزية واسمها الآخر «مدرسة المطران» بالقدس (6).
ثم سافر إلى إستانبول والتحق في الجامعة الطبية وتخرج منها عام 1916م يحمل شهادة الصيدلة والكيمياء، ثم دخل للجامعة الأمريكية في بيروت وتخرج منها بشهادة (بكالوريوس) في العلوم وأستاذ في التربية.
خدم في صفوف الجيش العثماني في أواخر الحرب العالمية الأولى، ثم عاد إلى فلسطين بعد انتهاء الحرب ودخول القوات البريطانية إليها، واعتزل على اثر ذلك مهنة الصيدلة.
عيّنته إدارة المعارف عام 1919م مفتشًا للمعارف للوائي يافا وغزة حتى عام 1923م حيث رقي إلى درجة مفتش معارف عام في إدارة المعارف في القدس. وانكب على طلب المزيد من العلم فواصل دراسته العليا، ونال درجة (الماجستير) في التربية.
وفي ربيع 1925م وصل اللورد (بلفور) صاحب الوعد المشؤوم إلى القدس ليدشن الجامعة العبرية، فأضربت المدارس، وكانت «دار المعلمين» في طليعتها فغض الدكتور خليل طوطح (7) ـ مديرها عهد ذاك ـ الطرف عن تهدئة الإضراب، واستقال من منصبه، فاختارت إدارة المعارف العامة الأستاذ أحمد سامح الخالدي مديرًا لتلك الدار ومنحته بعض الصلاحيات والامتيازات وأقرت اقتراحًا تقدم به للمسؤولين هو تسمية ذلك المعهد بـ«الكلية العربية» (Cool. وفي عهده تخرج عشرات من الشبان العرب المثقفين(9) .
عُيّن في عام 1941م تقديرًا لكفاءاته مساعدًا لمدير المعارف العام، بالإضافة لإدارته «الكلية العربية»، وقد ظل يلقي على طلبتها المحاضرات في التربية وعلم النفس.
ولم ينسه منصبه الرفيع هذا أبناء الشهداء الذين فقدوا آباءهم دفاعًا عن فلسطين، ومن أبرز نشاطاته تحقيقه لمشروع «اليتيم العربي»، وألف لجنة اسماها (لجنة اليتيم العربية العامة) (10) ، وأنشأ مع أعضائها معهد أبناء الشهداء في «دير عمرو ـ غربي القدس»، وهو عبارة عن مشروع نموذجي لقرية منتجة، وقد كلف المشروع حوالي 150 ألف جنيه فلسطيني تولى تنظيم جمعها بنفسه، وشغل رئيس لجنة التعليم العالي في فلسطين.
بعد نكبة 1948م التي عصفت بفلسطين هُجرَّ مع قرينته الأديبة السيدة (عنبرة سلام) وأبنائه إلى لبنان وكرس حياته لمساعدة اللاجئين الفلسطينيين ورعاية شؤون تعليم أبنائهم، فأسس في جنوب لبنان مدرسة نموذجية قريبة الشبه بمعهد «دير عمر».
وفي شهر كانون الثاني (يناير) عام 1951م عُيّن في شركة (ألبان أميركان للطيران) بمثابة مدير معاون لصائب سلام(11) .
وقد كان (الخالدي) ـ رحمه الله ـ عضوًا في الجمعية الملكية للفنون بانكلترا، وعضو الجمعية الملكية لآسيا الوسطى في لندن.
ويحدثنا الناقد الأكاديمي الدكتور كامل السوافيري، عن مكانة (الخالدي) الأدبية فيقول: «في غضون الحقبة من (1930 إلى 1948م) التي تولى فيها أحمد سامح الخالدي عمادة الكلية العربية ألقى على طلبة الكلية العربية محاضراته في التربية وعلم النفس، وألف وترجم عددًا من الكتب التربوية التي تعالج طرق التدريس وأركانه، وأفضل المناهج الحديثة مما جعله الفارس المعلم في هذا الميدان الذي أطلق عليه أبو التربية الحديثة في فلسطين والعلم المشهور بين كبار المربين العرب في العصر الحديث» (12).
وقد اهتم (الخالدي) بالمؤلفات الأدبية العربية القديمة، من باب خدمة قضايا وطنه وأمته العربية، وعمل على تحقيق المخطوطات من ذلك اختياره «مؤلفيْن كتبهما الياقوتي في القرن الثاني عشر ـ في أثناء الحروب الصليبية ـ في طلب المساعدة للدفاع عن البلاد المقدسة ضد الغزاة الأجانب. وبدا للخالدي أن التهديد الصهيوني لفلسطين يستدعي هذه السابقة، لأن الياقوتي، كي يجعل الأرض غزيرة أكثر لدى القارئ، أبرز أهميتها الدينية وطابعها التاريخي العربي الإسلامي: وكان الخالدي يأمل من نشر هذين الكتابين أن يقويا الإحساس بالوطنية لدى من يقرأهما من العرب» (13).
ويرى الدكتور عدنان أبو غزالة أن القارئ يستطيع أن «يحس في تعليق الخالدي على المراجع التي نشرها تأثير ولاء جديد كان قد أصبح جليًا بين المثقفين العرب الفلسطينيين، ولاء أحسن ما يوصف به أنه يشبه الوطنية أكثر من شبهه القومية. فقد كان مستوحى من مثال أوروبا الغربية، وخصوصًا فرنسا وانكلترا، حيث يتساوى الشعوران القومي والوطني، وحيث كانت الوطنية هي الولاء الذي يدين به المواطن للبلاد. وعد الخالدي الولاء الذي كان العرب الشاميون يحسونه تجاه بلادهم في القرنين الثاني والثالث عشر شبيهًا بذلك الولاء الذي كان يحسه الفلسطينيون في القرن العشرين تجاه ما يخص بلادهم» (14).
أما عن إسهامه في النهوض بالمكتبة الخالدية(15) ، وعن حياته في سنواته الأخيرة، فيخبرنا نجله الدكتور وليد في كتابه «المكتبة الخالدية في القدس (1720م -2001م)»، بما يلي: «استمر الحاج راغب الخالدي يساعده الشيخ خليل الخالدي في الإشراف على المكتبة حتى أوائل الأربعينيات يعاونهما الشيخ أمين الأنصاري. على أن الشيخ خليل توفي العام 1941م، وأخذ الوالد المربي والمؤرخ أحمد سامح بن راغب مدير الكلية العربية بالقدس مهمة الإشراف عن والده لكبر سنه. واستمر أحمد سامح في الإشراف على المكتبة بمعونة الشيخ الأنصاري والبحاثة أسطفان حنا أسطفان حتى النكبة، حين اضطر إلى هجرة منزله والكلية العربية في أيار/مايو 1948م، لوقوعهما على خط النار واللجوء إلى لبنان، حيث توفي العام 1951م عن 54 عامًا، بعد أن أسس مدرسة للاجئين الفلسطينيين في قرية الحنية من أعمال صور على حدود فلسطين الشمالية» (16).
وقد ذكره الأديب اللبناني الراحل عجاج نويهض في كتابه القيم «رجال من فلسطين» (17) فقال: (الخالدي) من الشوامخ فعلينا أن نصل إلى أرجاء ذهنه الوقاد، وهذه على ما نعتقد مزاياه التي تفرد بها:
1)هو أول فلسطيني عربي غلبت على تفكيره وأساليب عمله، ونظرته إلى حياته، وحياة الفرد والمجتمع، الصبغة العلمية المحض، وقد كان الرجل مؤلفًا من عنصرين: الروح العلمية يحلل بها كل شيء من تغريدة العصفور إلى سر تقدم العرب أو تأخرهم، وعنصر النكتة الظريفة، وإنما قلنا إنه هو أول فلسطيني غلبت هذه الصبغة عليه، لا لننفي عن غيره ما استطاع أن يحوزه هو، فغيره في فلسطين كثيرون علا كعبهم في هذا المضمار، بل لأن هذه الصبغة تضاعفت، قيمتها بحد ذاتها أولاً وبالنسبة إليه، ثانيًا لأنه صاحب رسالة لازمة لكل حامل رسالة فهي هنا للخالدي المربي المنشئ، الزم، وقد اقترن هذا بأشياء أخرى من صفاته فظهر متفردًا شامخًا.
2)عقيدته العلمية هذه كانت ترمي إلى أن يجعل التلميذ فالمعلم فالأستاذ في فلسطين أداة عقلية متحررة ليس فيها ضباب ولا حولها ضباب، ومن هنا كان يرى السبيل إلى أن تتلقح عقول العرب بالأساليب العلمية، وإذا صح هذا، ولماذا لا يصح فغد العرب لا بد أن يكون مشرفًا فيزدادوا قوة وثقة بأنفسهم، إنما هم أصحاب الغد والمستقبل ومتغلبون على اليهود وانظر كيف أن الخالدي يلتقي والسكاكيني في هذا الصعيد.
3)إن طول الشوط في حمله هذه الرسالة قد تساعدت على أن يكون متفردًا شامخًا، فلو أنه حمل نفسه على الاعتراك في (السياسة) وتعاطي صغائر الحزبية المحلية، واستنفذ قواه في هذا العمل، لانطفأ الكثير من شموعه وخبا ضوء مصباحه، وهذا طبيعي، فلما اتسق له الشوط برزت كوامن قواه، وإذا قلت أن الخالدي، لو عمل في السياسة الفلسطينية فلماذا، لا تبرز فيه هذه الخصائص باهرة ملتمعة كما تبرز فيه وهو قطب في التربية؟ والجواب أن قواه هذه ما كانت لتنحبس فيه بل هي للانطلاق دائمة في أي مجال كان، ولكن في ميدان السياسة تهب في وجهه أعاصير وتنصب في طريقة أحابيل تنهك قواه إذا لم تفتك بها وتذرها في شلل، ففي إدارة المعارف كان مجال الحرية أمامه أوسع وهو رب القافلة وحاديها، وليس فوق يده يد، فلما تكامل له «المناخ» المشروط لسير مركبته، سارت مركبته بتوفيق.
4)كان يهدف الخالدي إلى إخراج جيل عربي حصين العقل، والفكر، متين العقيدة العلمية، وهذا الجيل كاد يتم أمره ويخرج إلى الميدان، ويغير أوضاع فلسطين، ويركز الأشياء والأمور على مستوى لا غش فيه، وهنا، وبهذه المناسبة الآن، وصلنا إلى مغطس سر عظيم من الأسرار التي حدت باليهود وبريطانيا على إتمام أمر وعد بلفور بالاغتصاب والحيلة والقوة الوحشية، وصفوة هذا أن حسابات اليهود سنة 1936م جعلتهم يعيدون نظرتهم في صحة مقاييسهم لنمو قوة العرب، فوجدوا أن العرب يكاثرونهم بزيادة المواليد مكاثرة تزيد على معدل ما تأتي به المهاجرة إلى فلسطين من نفوس، إذن ستبقى الزيادة العديدة للعرب إلى ما شاء الله، هذا أولاً أما ثانيًا: فالعرب أخذت نهضتهم الذهنية العلمية تنمو وتتسع آفاقها! ولا بد لهذه النهضة من مثل عليا تسير عليها، فبدلاً من هتافات الشوارع العمياء، سيغدو، «الاستشهاد العربي»، مقرونًا بعقيدة علمية كما هو الأمر عند الأمم الحية، ومن هنا تواطأت بريطانيا واليهود وترومان على رواية 1948م وقد يرد على هذا قارئ فيقول: إذن: إن شهداءنا استشهدوا على غير عقيدة؟ فأقول، كلا إنهم استشهدوا رحمهم الله على عقيدة ولكنهم هم أفراد لا مجموع، والعبرة أن تكتسح العقيدة سواد الجيل كله.
5)بعد إضراب 1936م وثورة 1937م وما بعدها، كثر أيتام الشهداء في فلسطين فقام الخالدي، مع نفر من أصحابه بإنشاء مشروع سمي بـ(مزرعة دير عمرو) قرب القدس وهو مشروع زراعي تهذيبي لجمع شمل أيتام العرب، أبناء الشهداء، وتربيتهم وتعليمهم العلم والعمل معًا، وقد نجح هذا المشروع وكان مأثرة كبيرة.
6)ألف الخالدي عدة كتب في التربية والتعليم وعلم النفس، وترجم كتبًا عديدة، وعنى بتاريخ فلسطين عناية فائقة فطبع من الكتب القديمة الحرية بالنشر عددًا وافرًا، ومؤلفو هذه الكتب من علماء فلسطين وأدبائها.







احمد الخالدي مدير الكلية العربية مع المندوب السامي لفلسطين سنة 1939

رأيه في التربية والتعليم (18):

يعد (الخالدي) أحد آباء التربية والثقافة في فلسطين، وأحد كبار المربين العرب في العصر الحديث، ومن آراءه في التربية والتعليم قوله:
«لم يبق هناك من يناقش في أن اللغة الوطنية يجب أن تصبح لغة التعليم في جميع مراحله من بستان الأطفال حتى الجامعة، وليس من أمة بحاجة إلى هذه العقيدة كأمتنا التي هي في بدء نهضتها الآن، والتي لم تتح لها الظروف في القرون الأخيرة أن تسيطر على مقدرات أبنائها من الوجهة التعليمية. ولا مشاحة في أن كل إصلاح اجتماعي يجب أن يبنى على أساس هذا المبدأ، فالأمة لا تحيا إلا بحياة لغتها وآدابها وثقافتها. أما ما يقال عن العقبات في هذا الصدد فتذليله أصبح ممكنًا فيها يتعلق بالتعليمين الابتدائي والثانوي ومبتدأ العالي، ولا عبرة بكلام من يدعي غير ذلك أو ينتحل الواهي من الأعذار، والثابت المقرر أنه لا يمكن للأمة أن يستقيم تفكيرها، وأن تتبوأ مكانتها بين الأمم إلا إذا تمكنت من التعبير عن أفكارها وعواطفها بلغتها الوطنية».
ومن أقواله أيضًا: «قال ليبنتز أحد دعاة التعليم باللغة الوطنية في ألمانيا، وقد عاش هذا الفيلسوف في أواخر القرن السابع عشر، منتقدًا استعمال اللغة اللاتينية كلغة تدريس: «إن نجاح الهيئة الاجتماعية لا يتم إلا إذا أصبحت اللغة الوطنية ـ لا اللغة اللاتينية ـ لغة التدريس. ذلك لأن الأولى هي ناقلة الفكر إلى الزمن الحاضر في حين أن الثانية هي ناقلة الفكر التقليدي»، ولما أهمل العلماء لغتهم الوطنية اضطروا إلى البحث في أمور تافهة، فكتبوا وألفوا، ولكن كتاباتهم لم يتجاوز أثرها رفوف المكتبات. أما الأمة بسوادها فقد بقيت منعزلة عن هذه الجهود والأبحاث. فاللغة الوطنية الراقية الحية النامية هي كالزجاج المصقول صقلاً فائقًا، تزيد في حدة الذهن وتجعل الفكر واضحًا شفافًا.
والعلاقة بين ألمانيا في ذلك القرن وحالتنا الحاضرة بينة ظاهرة، وفي هذا القول أعظم جواب لمن لا يؤمنون بأهمية التعليم في اللغة الوطنية».
أصيب أحمد سامح الخالدي في 27 أيلول(سبتمبر)1951م بضعف في قلبه، وقضى نحبه بالسكتة القلبية في مصيفه بـ «بيت مري» ودفن ببيروت.

والده: راغب نعمان الخالدي (1858 -1951م):

فقيه وقاض مدني، ولد في القدس ودرس في مدرسة الحرم الشريف، ودرس العلوم الشرعية. عاش الحاج راغب بين عصرين هما نهاية الحكم العثماني لفلسطين وكل عصر الاحتلال البريطاني. وبعد احتلال بريطانيا لفلسطين سنة 1920م عُيّن قاضيًا للصلح، ثم قاض أعلى، وفي سنة 1923م عُيّن عضوًا في محكمة مركزية حيفا ومنها نقل إلى مدينة يافا. وقد نجح في دخول المجلس التشريعي الفلسطيني الذي لم يستمر بسبب المعارضة العربية. كما استمر بسنوات الاحتلال البريطاني نشيطًا في الحياة السياسية، وكان من زعماء المعارضة في فلسطين . ونتيجة لما شاهده من تلف الكتب والمخطوطات، فقد أسس «المكتبة الخالدية» سنة 1900م. وقد أسهم هو وأولاده في تقدم البلاد علميًا وحضاريًا. وله كتاب فريد عنوانه «مبدأ الخبر في مبادئ الأثر» طبع سنة 1903م (19).

شقيقه إسماعيل راغب الخالدي (1916-1968م):

ولد الدكتور إسماعيل ونشأ في القدس، وتخرج بالجامعة الأميركية في بيروت ثم بجامعة «مشيغن» وحصل على الدكتوراه من جامعة «كولومبيا». وكان من مؤسسي «معهد الشؤون العربية الأميركية» في نيويورك وأمينًا لسره، فرئيسًا لـ«المعهد الأسيوي للدراسة العربية» في نيويورك. واستمر مدة طويلة يزود جريدة المصري (القاهرية) برسائله من نيويورك. وعُيّن مستشارًا للوفد السعودي في هيئة الأمم عام 1949م، فموظفًا في الأمانة العامة للأمم المتحدة، وقد رأس قبيل وفاته قسم الشؤون السياسية بمجلس الأمن. ووضع مؤلفات باللغة الانكليزية أهمها: «التطورات الأسيوية في ليبيا» و«أبحاث في تاريخ الغساسنة» نشرت تباعًا في مجلة «العالم الإسلامي» الانكليزية وفي الموسوعة الأميركية.

زوجته: عنبرة سلام (أواخر القرن التاسع عشر- 1986م):

تُعدُّ السيدة (عنبرة سلام) الزوجة الثانية للمرحوم (الخالدي) وقد اقترن بها بعد وفاة زوجته الأولى (أم الوليد). ولدت في العقد الأخير من القرن التاسع عشر في بيروت، ولا يعرف بالضبط سنة مولدها(21).
بدأت (عنبرة) علومها عند (شيخة)، وتمكنت من ختم القرآن، وفرض عليها الحجاب عندما بلغت العاشرة، غير أنها دخلت مدرسة «مار يوسف»، في بيروت حيث قضت عامين، ثم اضطرت إلى العودة إلى البيت، ولكنها تابعت دراستها للعربية على يد المعلم عبد الله البستاني وجوليا طعمة.
نشطت (عنبرة) في إطار الحركة النسوية العربية، في العديد من المجالات الاجتماعية والسياسية. وقد وجهت مع عدد من زميلاتها برقية دعم وتأييد للمؤتمر العربي الأول الذي انعقد في باريس عام 1913م.
كانت (عنبرة) خطيبة المناضل اللبناني عبد الغني العريسي، أحد الشهداء الذين علقهم جمال باشا على أعواد المشانق في بيروت عام 1916م (22).
وفي عام 1929م تزوجت من (المترجم له)، وانتقلت معه إلى مدينته القدس.. حيث عاشت هناك حتى وقوع نكبة فلسطين، فانتقلت مع زوجها للإقامة في بيروت.
من آثارها القلمية: «جولة في ذكريات بين لبنان وفلسطين»، دار النهار، ط1: 1978م، ط2: 1997م. و«الالياذة»، لـ(هوميروس)، (ترجمة)، دار المعارف، القاهرة ـ ط.1: 1947م، ط2: دار العلم للملايين، بيروت ـ 1974م. و«الأوذيسة»، (ترجمة)، ط1: مطبعة بيت المقدس،1947م، ط2: دار العلم للملايين، بيروت، 1986م. و«الإنيادة»، لـ(فرجيل)، (ترجمة)، دار العلم للملايين، بيروت.
وقد ذكرها المرحوم الأستاذ أدهم آل جندي في كتابه «أعلام الأدب والفن»، فقال:
«السيدة عنبرة سليم علي سلام زعيمة النهضة الأدبية في نساء الإسلام، تسنمت المنابر على حجاب وسفور، فكان للعروبة والثقافة من فضل موقفها نور على نور. ولدت في بيروت ونشأت في أسرة عريقة في مجدها وطيب منبتها.
وبعد أن أنهت تعليمها الابتدائي في مدارس بيروت تتلمذت على السيدة جوليا طعمة دمشقية وهي من رائدات النهضة النسائية الأولى في البلاد العربية، وقد كان لها في توجيهها وتربيتها شأن عظيم وأثر كبير، ولما وقعت الحرب العالمية الأولى أصبحت كل أنواع دراستها في المنزل، وسعى والدها في إيجاد الأساتذة لتعليمها، فتلقت دراستها على اللغوي الكبير الشيخ عبد الله البستاني واثنتين من المعلمات الافرنسيات، ثم على الأديبة المعروفة سلمى صائغ وغيرهم.
ولقد اشتغلت منذ كانت على مقاعد الدراسة في الجمعيات الخيرية والاجتماعية، وترأست نادي الفتيات المسلمات الذي كان أول ناد نسائي عربي وكان يضم فريقًا من أرقى فتيات بيروت وكن يقمن فيه الحفلات، فيحضرها الرجال والنساء ويحاضر فيها الأدباء والأديبات وألحقت بالنادي مدرسة تطوع فيها فتيات النادي لتعليم أبناء وبنات العائلات التي قسى عليها الدهر والتكفل بإطعامهم والقيام على تأمين راحتهم..
قامت (عنبرة) برحلة إلى انكلترا لمشاهدة معالمها العمرانية والثقافية، وظلت مدة سنتين عكفت خلالهما على دراسة اللغة الانكليزية دراسة خاصة كان لها أبلغ الأثر في نضوج ثقافتها، ثم عادت إلى وطنها لتقود النهضة الأدبية النسائية..
اقترنت بالأستاذ أحمد سامح الخالدي...، وانتقلت بزواجها إلى محيط علمي ثقافي اتسعت فيه مداركها، وازدادت معارفها، وساهمت في أعمال بعض الجمعيات، وألقت المحاضرات ونشرت المقالات، ولما أنشئت دار الإذاعة في القدس سنة 1935م كانت أول سيدة تدعى لافتتاح الحديث النسائي فيها.
وكانت تتعاون مع زوجها في شتى الميادين العلمية والاجتماعية والخيرية، وتقوم بدعايات وطنية متواصلة، وكان بيتها منتدى تؤمه الطبقات المثقفة من مختلف الأقطار، فلم يكن يمر في القدس علماء أجانب أو عرب إلا ويدعون إلى بيتها لإعطائهم المعلومات الصادقة عن فلسطين ويقابلون بالحفاوة والتكريم.
وقد عكفت على ترجمة روائع من الأدب الغربي الكلاسيكي..، وشاءت الأقدار أن تهجر بيتها في فلسطين يوم حلت النكبة المشؤومة في فلسطين، وأمعن الدهر في قسوته عليها، ففقدت زوجها فجأة ..، وقد أثرت هذه النكبات على حياتها أبلغ الأثر فزهدت في كل شيء وقلَّ انتاجها الأدبي ولم يعد لها كبير صبر على العمل»(23) .
ويذكر الدكتور عبد الرحمن ياغي أن السيدة عنبرة سلام الخالدي «قامت بترجمات عن اللغة الانكليزية. وأنها كانت تنشر في «الكشاف» سنة 1928م سلسلة مقالات مترجمة بعنوان (كيف أنظر إلى الحياة) بقلم: هانن سوافر. ثم ترجمت بعد ذلك (إلياذة هوميرس) عن الانكليزية ونشرتها في المطبعة العصرية في القدس سنة 1946م. وهي منقولة عن (قصة الالياذة) لألفرد تشرش» (24).

نجله البكر وليد أحمد سامح الخالدي:

ولد وليد أحمد سامح الخالدي ـ أطال الله في عمره ـ عام 1925م، في مدينة القدس. وتخرج من جامعتي «لندن» و«أكسفورد». وهو مرجع في القضية الفلسطينية، ويعد المؤرخ العربي الأبرز لحرب 1948م، ومن أبرز المؤرخين الفلسطينيين في النصف الثاني من القرن العشرين.
وهو رجل استثنائي علم قضية القدس ووعظ فيها. إلى جانب كل القضايا العربية الأخرى، وكتب ونشر عنها جميعًا، ووجد الوقت الكافي لينشط في الدفاع عنها في أصعب الأوقات.
وقد حمل في صدره أقدس المدن، كما لو أنها قلبه النابض. وليس ثمة شيء آخر في ذلك الصدر عداها: لا فرح ليس فرحها، ولا معاناة ليست معاناتها. ويجسد فكر وليد على أكمل وجه ما يصفه كانط بـ«العقل العملي»: أي القدرة على تصوّر استنتاجات ومواقف إلزامية في شكل مطلق، بوحي من تاريخ القضية العربية ومن معرفته الوثيقة بالمثل التي كانت تلك القضية تمثلها ولم تزل.
عمل محاضرًا في جامعة «اكسفورد» في موضوع الدراسات الشرقية من (1951-1956م)، واستقال احتجاجًا على العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م.
أصبح أستاذًا للدراسات السياسية في الجامعة الأمريكية في بيروت. وقضى عام (1960-1961م) باحثًا في جامعة «برنستون» في دراسات الشرق الأدنى.
ساعد عام 1963م في تأسيس «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» في بيروت وعُيّن سكرتيرًا شرفيًا لها.
وكان عضو زمالة في جامعة «هارفارد» في مركز «دراسات الشؤون الدولية» (1976-1978م). وعضو في «الأكاديمية الأميركية للآداب والعلوم».
كرمته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الكسو)، عام 1996م في لندن، ومنحته «جائزة التمّيز في الانجازات الثقافية في العالم العربي»، وهي الجائزة الأولى من نوعها التي تمنحها مؤسسة عربية.
وجاء في بيان منظمة (الكسو) أن الخالدي: «كرس حياته العلمية للقضية الفلسطينية بحثًا وتدريسًا وعملاً ميدانيًا على أرض الواقع في المجالات الثقافية والسياسية والإعلامية، في أرض فلسطين وفي الوطن العربي وفي العالم، فاتحًا بتكامل فكره العلمي وعمله المنهجي آفاقًا جديدة لتناول قضية فلسطين للأجيال المقابلة».
والدكتور وليد الخالدي «هو المنشئ والراعي للمؤسسة البحثية والعلمية والإعلامية المتخصصة الأهم في الشؤون الفلسطينية، مؤسسة الدراسات الفلسطينية التي تمثل أحد أهم تجسدات العقلانية الفلسطينية والعربية بأصدق تجلياتها وأعمق معانيها بما قدمته عبر عقود من نتاج باللغة العربية ولغات أجنبية أسهم في حفظ الذاكرة الفلسطينية وفي إبقاء فلسطين وقضية فلسطين حية في الوجدان العربي والضمير الإنساني».
ومما لاشك فيه أن تقديم عرض شامل لدراسات وانجازات الدكتور الخالدي مهمة مستحيلة، ومن أبرز مؤلفاته السياسية والفكرية:
«خمسون عامًا على حرب 1948م»، دار النهار، بيروت ـ 1998م. و «القدس: من العهدة العمرية إلى كامب ديفيد الثانية»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت ـ 2001م. و«آفاق السلام في الشرق الأوسط»، دار النهار، بيروت ـ 2002م. و«عن تاريخ الصهيونية وقيام دولة (إسرائيل)»، دار النهار، بيروت ـ 2002م. و«الصهيونية في مئة عام»، دار النهار، بيروت ـ 2002م. و«المكتبة الخالدية في القدس (1720-2001م)»، دار النهار، بيروت ـ 2002م. و«الدفاع عن حيفا وقضية فلسطين، مذكرات رشيد الحاج إبراهيم»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت ـ 2005م.

من آثار أحمد سامح الخالدي القلمية:

غاص المرحوم أحمد سامح الخالدي في مخطوطات المكتبة الخالدية، فأثرى بتصانيفه الكثيرة خزانة التاريخ العربي وحقل التربية والتعليم، وتوخى فيها عرض المفاخر التي فاض بها التاريخ العربي والتوجيه والإرشاد.
ولم يكف عن الكتابة والتأليف يومًا، فكان يعقد الفصول في مجلتي «الأديب» (25) و«الرسالة» (26) ونشر المقالات في عدة جرائد.
وفيما يلي أسماء الكتب التي صنفها المرحوم الخالدي:
في التربية والتعليم:
1.أدارة الصفوف، وقد اعتمد في تأليفه على كتاب بهذا العنوان للمربي (بجلي) ـ [ Begley]، القدس ـ 1928م.
2.أركان التدريس، (جزآن)، وقد اعتمد في تأليف معظمه على كتاب «إرشادات المعلمين» الذي نشره مجلس التعليم البريطاني، القدس ـ 1934م، طبعة ثانية: مؤسسة إبراهيم القطان، 2002م.
3.رسالة اختبار الذكاء، القدس.
4.أنظمة التعليم، (جزءان)، طبع الجزء الأول عام 1933م، والثاني عام 1935م.

في التاريخ:

1. أهل العلم بين مصر وفلسطين، القدس ـ 1946م.
و«تذكر هذه الرسالة أسماء العلماء الفلسطينيين الذين تعلموا في مصر واستوطنوها أو توفوا فيها، والعلماء المصريين الذين سكنوا بيت المقدس أو الخليل أو درسوا في معاهد فلسطين، وكانت لهم بها صلة علمية. وقد كان مصدر المؤلف الرئيسي كتاب «الأنس الجليل» لمؤلفه مجير الدين الحنبلي، وغيرها. وتبين هذه الرسالة أن الصلة العلمية بين مصر وفلسطين لم تنقطع منذ القرن الأول الهجري حتى يومنا هذا».
2.رجال الحكم والإدارة في فلسطين، (من عهد الخلفاء الراشدين إلى القرن الرابع عشر الهجري)، القدس ـ 1947م.
3.المعاهد المصرية في بيت المقدس، القدس ـ 1946م.
4.رحلات في ديار الشام، (أدب رحلات)، يافا ـ 1946م.
5.العرب والحضارة الحديثة، بيروت ـ 1951م.
6.أهل العلم والحكم في ريف فلسطين، دائرة الثقافة والفنون، عمّان ـ 1968م.
7.سلسلة كتب دراسات إستراتيجية، 17 عنوانًا (إعداد مشترك)، المؤسسة العربية، بيروت.
8.رحلات من دمشق إلى القدس، تقديم وإعداد وضبط: خيري الذهبي، (سلسلة: آفاق ثقافية مقدسية)، الهيئة العامة السورية للكتاب وزارة الثقافة، دمشق 2009م.









تحقيق:

1.ترغيب أهل الإسلام في سكنى الشام، تأليف: عز الدين السلمي، القدس ـ 1940م. وقد ذكره المرحومان الأستاذان يعقوب العودات وأحمد عمر شاهين الكتاب بعنوان ثانٍ هو: «ترغيب الأنام في سكنى الشام»(27) .
2.مثير الغرام بفضائل القدس والشام، تأليف: أحمد بن محمد المقدسي ـ القسم الأخير، يافا ـ 1946م.
3.الإعلام بفضائل الشام، تأليف: أحمد بن علي المغني، القدس ـ 1946م. «تحقيق أضاف إليه ملحقًا في تراجم الصحابة والتابعين الذين نسبوا إلى الشام أو نزلوا بها أو استشهدوا فيها».
4.فضائل بيت المقدس للواسطي.

ترجمة:

1.طرق التدريس المثلى، تأليف: (بجلي) ـ [ Begley]، ترجمه وشرحه وعلق عليه، القدس ـ 1937م.
2.أقنعة الحب، د. شتايكل، مكتبة فلسطين العلمية، القدس ـ 1946م.
3.الحياة العقلية، تأليف: (وود ورث)، مصر.
4.الطريقة المنتسورية في التربية والتعليم، تأليف: (ي.ج. هولمز)، القدس.
مخطوطات الخالدي التي لم تنشر:
1.تاريخ المعاهد الإسلامية، (ثمانية مجلدات)، تناول فيه تطور الثقافة عند العرب والمسلمين في جميع معاهدهم.
2.تاريخ بيت المقدس.
3.الأردن في التاريخ الإسلامي.
ويذكر (الجندي) أن الأستاذ أحمد سامح الخالدي اشترك مع قرينته السيدة عنبرة سلام في وضع كتاب بعنوان: «تأثير النساء في المدينة العربية» .

الجوائز:

1.يحمل المرحوم الأستاذ أحمد سامح الخالدي وسام عضو في الإمبراطورية البريطانية.
2.منح اسمه وسام القدس للثقافة والفنون من منظمة التحرير الفلسطينية في كانون الأول (ديسمبر) 1990م.

أشهر كتبه .. «رحلات من دمشق إلى القدس»(29)

منذ صدر الإسلام اهتم الرحالة العرب الذين وفدوا فلسطين على مر العصور بزيارة أماكنها المقدسة ومعالمها التاريخية ونالت مدينة القدس القسط الأوفر من عنايتهم، وقد دون بعضهم صفحات بالغة الأهمية عن رحلاتهم، ومن أشهر الرحلات التي قام بها أهل الشام إلى فلسطين تلك التي ذكرها الخالدي في كتابه «رحلات من دمشق إلى القدس»، وقد صدر الكتاب في طبعته الأولى في مدينة يافا عام 1946م، وأعيدت طباعته ضمن سلسلة (آفاق ثقافية مقدسية) التي أصدرتها الهيئة العامة السورية للكتاب بمناسبة اختيار القدس عاصمة الثقافة العربية لعام 2009م.
قدم للطبعة الدمشقية وأعدها الأديب السوري خيري الذهبي، الذي يقول عن هذا الكتاب: «في كتابنا هذا شكل جديد من أدب الرحلات والرحلات الدينية تحديدًا أي الشكل المبسط من الحج، والحج طقس موجود في الكثير من الأديان».‏
ويستعرض الكتاب أربع رحلات دينية من دمشق إلى بيت المقدس، قام بها في النصف الأول من القرن الثاني عشر الهجري (السابع عشر ميلادي)، ثلاثة أعلام هم، الشاعر الصوفي والمؤلف الشهير والرحالة عبد الغني النابلسي الدمشقي، وكانت رحلته من دمشق إلى بيت المقدس وما حواليها ذهابًا وإيابًا في عام (1101هـ ـ 1689م)، والشيخ مصطفى البكري الصديقي الدمشقي، وهو باحث ورحالة وتلميذ للنابلسي، قام برحلتين الأولى عام (1122هـ ـ 1710م) والثانية في (1126هـ ـ 1714م)، وأما الرحالة الثالث فهو الشيخ مصطفى أسعد اللقيمي، ولد في دمياط سنة (1105هـ ـ 1693م) ونزل دمشق وفيها توفي عام (1178هـ ـ 1764م)، وقد قام برحلته التي أسماها «سوانح الأنس برحلتي لوادي القدس» عام (1143هـ ـ 1730م)، وهو من مريدي الشيخ مصطفى البكري، وقد اجتمع به القدس.
«سلام على الإخوان في حضرة القدس»
ولد عبد الغني النابلسي ونشأ في دمشق، وأغلب الظن أنه من أحفاد النابلسيين الذين وفدوا إلى دمشق أثناء الحروب الصليبية مع بني قدامة هربًا من الخضوع لحكم الصليبيين فقطعوا ضاحية قريبة من دمشق هي التي ستسمى فيما بعد الصالحية، أما تاريخ ولادته فهو 1641م ووفاته 1731م.
وهو شاعر صوفي وعالم بالدين والأدب، رحل إلى بغداد وعاد إلى سورية وزار فلسطين ولبنان ومصر والحجاز لكنه استقر في دمشق وفيها توفي.‏
له مصنفات كثيرة جدًا منها: «شرح فصوص الحكم لابن عربي» و«إيضاح الدلالات في سماع الآلات»،‏ و«الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية» و«تعطير الأنام في تعبير الأنام».
وقد زار النابلسي في رحلته إلى فلسطين الأماكن المقدسة وسجل للحياة الثقافية والاجتماعية وغيرها في المدن التي مر بها.‏
وللنابلسي قصيدة تعد من أشهر القصائد التي نظمت عن مدينة القدس في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وعنوانها «سلام على الإخوان في حضرة القدس» وفيها يقول:
سلامٌ على الإخوانِ في حضْرةِ القدسِ
ومن مُحِيتْ آثارُهمْ في ضِيا الشّمسِ

سقى اللهُ أيامًا بهمْ قد تقاصرتْ
وليلاتِ وصْلٍ بالمسرّةِ والأُنسِ

سترْتُ الهوى إلاّ عنِ القومِ فارتقى
فؤادي إلى غيبٍ عنِ العقلِ والحسِ

سريرٌ من التحقيقِ يسمو بأهلِهِ
على العرشِ في أوجِ الُعلى وعلى الكُرسي

سَريتُ بهِ ليلاً إلى رفْرفِ المنى
وبي زُجَّ في النورِ الذي جلَّ عن لبس

سماءُ التجلي بالبُراقِ صعِدتُها
وقد غبتُ عن جسمي الكثيفِ وعن نفسي

سأهدمُ ما تبني العقول لأهلِها
من الفكرِ في أرضِ الخيالاتِ والحَدْسِ

سريعًا إلى أسرارِ روحٍ شريفةٍ
عن النوعِ قدْ جلّتْ ودقّتْ عن الجنسِ

سباني جمالُ الوجهِ والكلُّ هالكٌ
وعِلْمي تسامى عن كتابٍ وعنْ دَرسِ

سُروري وأفراحي خُروجي عنِ السوى
وإني من الحقّ الوجود على الأسِ


ومن يوميات رحلة الشيخ النابلسي نقتطف وصفه لسور بيت المقدس يقول:‏
«.. سور بيت المقدس سور جديد متين مشيد قوي الأركان، عظيم البنيان، يحيط بالبلد كلها، وعرها وسهلها مبني بالشيد والحجر المنحوت وفي داخله جميع الأماكن والبيوت، وقد أخبرنا أنه من بناء السلطان الملك المظفر سليمان خان ومن المعروف أن الملك المعظم عيسى بن العادل أخا صلاح الدين أرسل من دمشق كما جاء في أبي الفداء، الحجارين والنقابين إلى القدس فخرب أسواره (616 ـ 1219م) وكانت قد حصنت للغاية وذلك على زعمه خوفًا من استيلاء الفرنجة عليها.‏
وفي سنة (626هـ ـ 1228م) سلم الملك الكامل القدس للإمبراطور فردريك على أن يستمر سورها خرابًا ويكون الحكم في (الرساتيق) لوالي المسلمين ويكون للإفرنج من (القرايا) ما هو على الطريق من عكا إلى القدس.‏
ويعدد لنا الشيخ عشرة أبواب لسور القدس منها: باب العمود من جهة الشمال وباب آخر يسمى باب الداعية الموصل إلى حارة بني زيد وباب يسمى باب دير السرب، وباب الساهرة ومن جهة القبلة باب المغاربة وباب صهيون (باب داود) ومن جهة الغرب باب صغير لصق دير الأرض وباب المحراب المعروف بباب الخليل وباب الرحبة.‏
وهذه الأبواب هي ذات الأبواب التي يعددها الحنبلي في كتابه الأنس الجليل الذي ألف سنة (901هـ).‏
أما الرحلة الثانية والثالثة التي يقف عندهما الكتاب فقد قام بهما الشيخ مصطفى البكري الصدِّيقي المولود في دمشق (1099هـ ـ 1688م) ، وهو تلميذ النابلسي، متصوف على الطريقة الخلوتية، وقد سكن في القدس بعد زيارته لها وتزوج فيها، وألَّف كثيرًا من كتبه هناك، وأكثرها في موضوع التصوف، ومنها انتقل إلى حلب فبغداد، فمصر، فالقسطنطينة، فالحجاز، ومات بمصر في العام (1162هـ ـ 1749م).
وتشمل رحلتا البكري وصفًا من دمشق إلى بيت المقدس وما حواليه ووصفًا للساحل الفلسطيني، وقد أسمى الرحلة القدسية الثانية «الخطرة الثانية..الأنسية للروضة الدانية القدسية».
أما الرحلة الرابعة فهي للشيخ مصطفى أسعد اللقيمي، وقد بدأ رحلته يوم الثلاثاء من ذي القعدة عام (1143هـ ـ 1764م) انطلاقًا من ثغر دمياط مخترقًا شبه جزيرة سيناء فغزة فالرملة فيافا فالقدس وما حواليها ثم رجوعًا إلى دمشق، فصيدا فقبرص.


رسائل متعلقة بأحمد سامح الخالدي:






رسالة من خليل السكاكيني لأحمد سامح الخالدي تهنئه بزواج أخيه حسن شكري








رسالة أحمد سامح الخالدي سنة 39







نهاية رسالة احمد سامح سنة 39






أحمد الخالدي يختم رسالته بالاشارة للمشاغل الكثيرة التي لديه في القدس

الهوامش:

1-أحمد عمر شاهين، موسوعة كتاب فلسطين في القرن العشرين، دائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية ـ طبعة أولى: 1992م.
2عجاج نويهض، رجال من فلسطين، منشورات فلسطين المحتلة، بيروت ـ طبعة أولى: 1981م.
3-د.عبد الرحمن ياغي ، حياة الأدب الفلسطيني الحديث «من أول النّهضة وحتى النكبة»، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت ـ 1981م.
4-د. قسطندي شوملي وآخرون، الموسوعة الصحفية العربية، (6 أجزاء، [الجزء السادس ـ المجلد الثاني]: (الصومال، قطر، السودان، السعودية، فلسطين، موريتانيا)، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس ـ 1999م.
5-ذكر الدكتور كامل السوافيري في كتابه «الأدب العربي المعاصر في فلسطين» أنه ولد عام (1895م)، وذكر نويهض أنه: «عاش 53 عامًا، ولعل مولده عام 1899م». ولكن الأستاذ وليد راغب الخالدي يذكر في الموقع الالكتروني لـ(آل الخالدي) أن المرحوم (أحمد سامح الخالدي) ولد في العام (1896م)، وهو ما أجمعت عليه أغلب المصادر.
6-مدرسة المطران: هي مدرسة (سان جورج) في مدينة القدس، وقد اشتهرت شعبيًا باسم «مدرسة المطران»، نسبة إلى المطران الثاني (صموئيل غوبات)، وهو أحد المطارنة الإنكليز للتبشير الإنجيلي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكان قد عُيّن سنة 1846م.
7-خليل طوطح (1887- 1955م): ولد عام 1887م في رام الله، وتلقى فيها دروسه الابتدائية، ثم انتقل إلى مدرسة «برمانا» الانكليزية» في لبنان حيث حصل على شهادة الدراسة الثانوية.
انتقل بعدها إلى الولايات المتحدة الأميركية فدرس في جامعة «هارفرد» وتخرج منها كما اكتسب الجنسية الأميركية. وفي الحرب العالمية الأولى انخرط في الجيش الأميركي وعاد بعد نهاية الحرب إلى فلسطين وتولى إدارة «دار المعلمين» في بيت المقدس. وبعد انفكاكه عن العمل في «دار المعلمين» رجع إلى الولايات المتحدة ونال الدكتوراه في التربية. عاد ثانية إلى فلسطين عام 1926م وعلّم في مدرسة «الفرندز» في رام الله وتسلم إدارة المدرسة عام 1933م وظل يعمل فيها حتى سنة 1944م. وفي أواخر الحرب العالمية الثانية عاد إلى الولايات المتحدة وانشغل بطرح القضية الفلسطينية لدى المراجع الرسمية الأميركية والشعب الأميركي، وبعد أن تخلى الدكتور فيليب حِتي عن إدارة «معهد الشؤون العربية الأميركي» في نيويورك تولاه د. طوطح وقام بأعبائه، له عدة مؤلفات أبرزها: «تطوير فلسطين الحديث»، و«فلسطين تروي قصة التوراة»، و«ديناميت في الشرق الأوسط»، (ترجمة)، دار العلم للملايين، بيروت.
8- الكلية العربية: أحدثت في مدينة القدس، وكانت مدة الدراسة فيها سنتان بعد إتمام الدراسة الثانوية، وتنقسم الدراسة فيها إلى علمية وأدبية. وكانت إدارة الكلية تمنح إلى جانب الشهادة العليا المتوسطة دبلومًا في التربية والتعليم بقسميها النظري والعملي. د. 9-قسطندي شوملي وآخرون، الموسوعة الصحفية العربية، مصدر سبق ذكره.
10-يذكر العودات في كتابه «من أعلام الفكر والأدب في فلسطين» أن لجنة اليتيم العربية تألفت من السادة: أحمد سامح الخالدي (رئيسًا) الدكتور يوسف هيكل (سكرتيرًا) رجائي الحسيني (أمينًا للصندوق) شفيق منصور (نائبًا لأمين الصندوق) ميشيل أبيكاريوس، شبلي الجمل، أحمد طوقان، أحمد خليفة، أحمد القاسم، نصوح بيضون (أعضاء).
11-صائب سلام (1905 ـ 2000م): سياسي ورجل أعمال لبناني، يعتبر من أهم رجال الدولة في سنوات ما قبل الحرب الأهلية. شغل عدة مرات منصب رئيس الحكومة بين ( 1952 و1973م) في عهد 4 رؤساء مختلفين. بدأ نشاطه في المجال السياسي في عام 1936 وقاوم الانتداب الفرنسي وعُيّن وزيرًا للمرة الأولى عام 1946م. انتخب سلام عضوًا بالبرلمان للمرة الأولى في عام 1943م (بعد عام من حصول لبنان على الاستقلال عن الانتداب الفرنسي). أسس عام 1945م شركة «طيران الشرق الأوسط».
12-د. كامل السوافيري، الأدب العربي المعاصر في فلسطين (1860 ¬– 1960)، الناشر غير مذكور، ـ طبعة ثانية: 1987م.
13-د.عدنان أبو غزالة، الثقافة القومية في فلسطين خلال الانتداب البريطاني، (ترجمه عن الانكليزية: د. حسني محمود)، مكتبة الأدب والثقافة الفلسطينية ـ سلسلة دراسات ـ (5)، الوكالة العربية للنشر والتوزيع، الأردن/الزرقاء ـ 1984م.
14- المصدر السابق.
15-صادف العام (2010م) ذكرى مرور العام العاشر بعد المائة على تأسيس المكتبة الخالدية في مدينة القدس الشريف، حيث افتتحت المكتبة رسميًا عام 1318هـ ـ 1900م في موقعها الحالي في طريق باب السلسلة المطل على حائط البراق، وهو الطريق المؤدي إلى أحد أبواب الحرم الشريف الرئيسة.
ويجمع المؤرخون والباحثون الفلسطينيون والعرب على أن المكتبة الخالدية هي أجلّ وأعظم المكتبات في القدس بل في فلسطين جميعًا، ولا يزال المقدسيون يجدون فيها كهفًا منيعًا وملاذًا قويًا وطودًا أشمًا ومنارًا كان يعشوا إلى ضوءه الحيارى. وتعود أقدم مخطوطة في المكتبة إلى القرن الحادي عشر وهي تتناول الشريعة المالكية. ويتوفر في المكتبة عدد كبير نسبيًا من المخطوطات الأصلية، المكتوبة بيد المؤلف نفسه لا النساخ. ويوجد أيضا كتب مزخرفة تدعى بالمَكرُمات مُنِحت كهدايا، من بينها مكرمة منحت لصلاح الدين الأيوبي. كذلك تتواجد في المكتبة كتب مزخرفة في الطب الهندي من القرن الثالث عشر، ومصحف ضخم، مزخرف يعود للقرن السادس عشر. (ينظر مقالنا: «صفحات من تاريخ المكتبة الخالدية في القدس (1900 ـ 2010م)»، مجلة زهرة المدائن، العدد (6) ـ أيلول/ سبتمبر 2010م.).
16- د. وليد الخالدي، المكتبة الخالدية في القدس (1720م -2001م)، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت ـ 2002م.
17- عجاج نويهض، رجال من فلسطين، مصدر سبق ذكره.
18-يعقوب العودات (البدوي الملثم)، من أعلام الفكر والأدب في فلسطين، جمعية عمال المطابع التعاونية، عمان ـ طبعة أولى: 1976م.
19-ينظر مقالنا «رواد مقدسيون: الحاج راغب نعمان الخالدي (1866 -1951م).. مؤسس المكتبة الخالدية»، المنشور في الموقع بتاريخ: 15/1/2012م.
20- مجلة العالم الإسلامي (الإنكليزية): أسسها عام 1911م المستشرق المبشر صموئيل زويمر (رئيس جمعيات التنصير في الشرق الأوسط)، وأحد أكبر أعمدة التنصير في العصر الحديث. وما تزال المجلة تصدر إلى الآن من «هارتيفورد»، وهي تهتم بتنصير المسلمين.
21-يذكر الدكتور نزار أباظة ومحمد رياض المالح في كتابهما «إتمام الأعلام (ذيل لكتاب الأعلام لخير الدين الزركلي)»، أن مولدها كان في عام 1906م، وهذا غير دقيق، إذ لا يعقل أن تكون قد خُطبت للمناضل اللبناني عبد الغني العريسي، وهي دون العاشرة من عمرها، فالعريسي أعدم عام 1916م. وجاء في «إتمام الأعلام» أنها توفيت عام 1986م.
22- عبد الغني العريسي (1891-1916م): هو عبد الغني محمد بن عبد الرحمن العريّسي، ولد ببيروت عام 1891م. تم تنفيذ حكم الإعدام بحقه هو ورفاقه يوم السادس من أيار (مايو) 1916م. إثر محاكمة صورية هو ورفاقه استنادًا إلى وثائق مزورة. وقد ترك العريسي عددًا كبيرًا من المقالات الفكرية والسياسية والتربوية تكشف عن مدى ثقافته العميقة، وقوميته الصادقة، واتساع آفاقه الفكرية والسياسية والقومية، وإحساسه العميق بقضايا أمته المصيرية، كما ترجم عن الفرنسية كتاب «البنين» ونشره في المفيد على حلقات مسلسلة. وله كتاب بعنوان «المختار من ثمرات الحياة» اختاره من ديوان الشاعر حسن حسني الطويراني وهو كتاب يحتوي على قصائد شعرية يتحدث فيه عن العاطفة الوطنية، وقد أُشير إليه أحيانًا باسم «ثمرة الحياة».
23-أدهم آل الجندي، أعلام الأدب والفن، (الجزء الثاني)، مطبعة الاتحاد، دمشق ـ طبعة أولى: 1958م.
24-د.عبد الرحمن ياغي ، حياة الأدب الفلسطيني الحديث «من أول النّهضة وحتى النكبة»، مصدر سبق ذكره.
25-مجلة الأديب: مجلة شهرية أدبية، صدرت في بيروت في أول كانون الثاني (يناير) 1942م، صاحبها ومديرها المسؤول ألبير أديب، واستمرت بالصدور حتى وفاة صاحبها عام 1948م، وتشكل مجموعتها تاريخًا للحركة الأدبية والتطور الفكري في المشرق العربي في النصف الثاني من القرن الماضي.
26-مجلة الرسالة: مجلة ثقافية، ترأس تحريرها الأديب المصري أحمد حسن الزيات (1885 ـ 1968م) في عام 1933م، وقد كتب فيها معظم المقالات عن رموز الأدب العربي آنذاك أمثال: مصطفى صادق الرافعي، ومحمود عباس العقاد، وطه حسين، وأبو القاسم الشابي.
27-أحمد عمر شاهين، موسوعة كتاب فلسطين في القرن العشرين، مصدر سبق ذكره.
28-أدهم آل الجندي، أعلام الأدب والفن، (الجزء الثاني)، مصدر سبق ذكره.
29-أوس داوود يعقوب، مقالة: «أشهر رحلات الدمشقيين إلى فلسطين وبيت المقدس في القرن العشرين»، مجلة زهرة المدائن، العدد (3) ـ حزيران/ يونيو 2010م.

أهم المصادر والمراجع:

1.أحمد خليل العقاد، من هو، من رجالات فلسطين، مكتب الصحافة والنشر، يافا ـ 1946م.
2.أحمد عمر شاهين، موسوعة كتاب فلسطين في القرن العشرين، دائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية ـ طبعة أولى: 1992م.
3.أدهم آل جندي، أعلام الأدب والفن، (جزآن)/ مطبعة الاتحاد، دمشق ـ صدر الجزء الأول عام 1954م، والجزء الثاني عام 1958م.
4.د. أنيس صايغ، وأحمد مرعشلي وعبد الهادي هاشم، الموسوعة، (القسم الأول ـ 4 مجلّدات)، [المجلد الأول]، إصدار هيئة الموسوعة الفلسطينية، دمشق ـ 1984م.
5.حسين العودات ويسين الشكر، الموسوعة الصحفية العربية، الجزء الأول: (بلدان المشرق العربي: سورية ـ لبنان ـ فلسطين ـ الأردن)، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس ـ 1990م.
6.خير الدين الزركلي، الأعلام، (8 مجلدات) ـ المجلد الأول ـ دار العلم للملايين، بيروت ـ الطبعة الثامنة: 1999م.
7.د. وليد الخالدي، المكتبة الخالدية في القدس (1720م -2001م)، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت ـ 2002م.
8.د. عادل مناع ، أعلام فلسطين في أواخر العهد العثماني (1800-1918م)، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت ـ الطبعة الثانية: 1995م.
9.د. عبد الرحمن ياغي ، حياة الأدب الفلسطيني الحديث «من أول النّهضة وحتى النكبة»، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت ـ 1981م.
10.عجاج نويهض، رجال من فلسطين، منشورات فلسطين المحتلة، بيروت ـ طبعة أولى: 1981م.
11.د. عدنان أبو غزالة، الثقافة القومية في فلسطين خلال الانتداب البريطاني، (ترجمه عن الانكليزية: د. حسني محمود)، مكتبة الأدب والثقافة الفلسطينية ـ سلسلة دراسات ـ (5)، الوكالة العربية للنشر والتوزيع، الأردن/الزرقاء ـ 1984م.
12.د. قسطندي شوملي وآخرون، الموسوعة الصحفية العربية، (6 أجزاء، [الجزء السادس ـ المجلد الثاني]: (الصومال، قطر، السودان، السعودية، فلسطين، موريتانيا)، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس ـ 1999م.
13.د. كامل السوافيري ، الأدب العربي المعاصر في فلسطين (1860 ¬

_________________


زروني في مدونتي القدس الشريف مدينتي
http://snajdivgmailcom.blogspot.com

سمير ابن القدس
كاتب واديب عربي

عدد المساهمات: 927
تاريخ التسجيل: 17/03/2012
العمر: 47
الموقع: القدس الشريف

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواد مقدسيون

مُساهمة من طرف د. اروى الحواري في الأربعاء أغسطس 08, 2012 12:02 am

حقا انهم رواد مقدسيون

اعمالهم وانجازاتهم فخر لنا جميعا

سيبقى التاريخ يذكرهم

وحافل بعبق عبيرهم

تركوا بصمة رااائعة ولا تزال

ربي يكرمك اخي الغالي

جهود طيبة مباااركة

جزاااك الله اخي الغالي

وربي يحميك

_________________

د. اروى الحواري
Admin

عدد المساهمات: 3207
تاريخ التسجيل: 10/03/2012
العمر: 44

http://arwa-esa.up-your.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى